التسميات

الموسيقى الصامتة

Our sponsors

19‏/12‏/2014

صلاة الخوف




صلاة الخوف

  •  مشروعية صلاة الخوف
  • شروط صلاة الخوف
  • كيفية صلاة الخوف
  • كيفية أداء الصلوات الخمس حال الإقامة
  • حمل السلاح في أثناء الصلاة
  • بطلان صلاة الخوف
  • الصلاة عند التحام القتال واشتداد الخوف

      مشروعية صلاة الخوف:
      صلاة الخوف ثابتة بكتاب الله يقول الله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً..} [النساء: 102].
      وأما السنة: فقد ثبت وصح أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف في أربعة مواضع: في غزوة ذات الرقاع التي حدثت بعد الخندق على الصواب، وبطن نخل (اسم موضع في نجد بأرض غطفان) وعُسْفان (يبعد عن مكة نحو مرحلتين)، وذي قَرَد (ماء على بريد من المدينة، وتعرف بغزوة الغابة، في ربيع الأول سنة ست قبل الحديبية) وصلاها النبي صلى الله عليه وسلم أربعاً وعشرين مرة. وقد وردت بها الأحاديث الآتية في صفة صلاتها، مع خبر "صلوا كما رأيتموني أصلي".
      وأجمع الصحابة على فعلها، وصلاها علي وأبو موسى الأشعري وحذيفة.

      شروط صلاة الخوف:
      - أن يكون القتال مباحاً: أي مأذوناً فيه، سواء أكان واجباً كقتال الكفار الحربيين، والبغاة، والمحاربين (قطاع الطرق) القاصدين سفك الدماء وهتك الحرمات، لقوله تعالى:
{إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101]، أم جائزاً كقتال من أراد أخذ مال المسلمين.
      فلا تصح صلاة الخوف من البغاة والعاصي بسفره، لأنها رحمة وتخفيف ورخصة، فلا يجوز أن تتعلق أو تباح بالمعاصي، أي أن صلاة الخوف لا تجوز في القتال المحظور أو حرام كقتال أهل العدل وقتال أصحاب الأموال لأخذ أموالهم.
      - حضور العدو أو السبع، أو خوف الغرق أو الحَرَق: فمن خاف العدو أو الخطر، سواء أكان الخوف على النفس أم المال، جاز له صلاة الخوف عند الجمهور والمشهور من مذهب المالكية في السفر والحضر وفي البحر والبر، في القتال أو غيره. فلو رأوا سواداً ظنوه عدواً، فصلوها، فإن تبين الأمر كما ظنوا صحت صلاتهم، وإن ظهر خلافه، لم تجز، فإذا كانت الصلاة من غير خوف فسدت، قال الشافعية والحنابلة: من أمن وهو في الصلاة أتمها صلاة آمن، ومن كان آمناً فاشتد خوفه أتمها صلاة خائف. وقال المالكية: من أمن صلى صلاة أمان. وتكون في صلاة الحضر تامة، وصلاة السفر الرباعية مقصورة، لأن الخوف لا يؤثر في عدد الركعات، ففي السفر الذي يبيح القصر (89 كم) يصلي الإمام بكل طائفة ركعة، وفي الحضر يصلي الإمام بكل طائفة ركعتين.

كيفية صلاة الخوف
      اتفق الفقهاء على ناحيتين مهمتين: أولاهما - أنه يجوز لأفراد الجيش أن يصلوا بإمامين، كل طائفة بإمام. وثانيتهما - أنه في اشتداد الخوف وتعذر الجماعة، يجوز للجنود أن يصلوا فرادى ركباناً وراجلين، في مواقعهم وخنادقهم، يومئون إيماء بالركوع والسجود إلى أي جهة شاءوا، إلى القبلة وإلى غيرها، يبتدئون تكبيرة الإحرام إلى القبلة إن قدروا، أو إلى غيرها، لأن هذه صلاة للضرورة، تسقط بها الأركان والتوجه إلى القبلة.
      وأما صلاة الخوف جماعة لكل الجنود، بإمام واحد: فتجوز صلاتها على أي صفة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت الأخبار بأنها على ستة عشر نوعاً، في صحيح مسلم بعضها، ومعظمها في سنن أبي داود، وفي صحيح ابن حبان منها تسعة، ففي كل مرة كان صلى الله عليه وسلم يفعل ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة.
      والمشهور من ذلك سبع صفات، اختار الجمهور منها أقواها وأصحها لديهم، وأجازها كلها الحنابلة واختار الإمام أحمد منها حديث سهل، وهي ما يأتي:
      صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في عسفان (روى هذه الصفة أبو داود): وقد اعتمدها الشافعية والحنابلة إذا كان العدو في جهة القبلة: وهي أن يصف الإمام الناس خلفه صفين فأكثر، ويصلي بهم جميعاً ركعة إلى أن يسجد، فإذا سجد سجد معه الصف الذي يليه، وحرس الصف الآخر حتى يقوم الإمام إلى الركعة الثانية، فإذا قام سجد الصف المتخلف، ولحقوه.
      وفي الركعة الثانية سجد معه الصف الذي حرس أولاً في الركعة الأولى، وحرس الصف الآخر. فإذا جلس الإمام للتشهد سجد من حرس، وتشهد بالصفين وسلم بهم جميعاً. فهي صلاة مقصورة لكونها في السفر. وقد اشترط الحنابلة لهذه الصفة: ألا يخاف المسلمون كميناً يأتي من خلف المسلمين، وألا يخفى بعض الكفار عن المسلمين، وأن يكون في المصلين كثرة يمكن تفريقهم طائفتين، كل طائفة ثلاثة فأكثر، لأن الله تعالى ذكر الطائفة بلفظ الجمع {فإذا سجدوا ...} وأقل الجمع ثلاثة. فإن خاف المسلمون كميناً (يكمن في الحرب)، أو خفي بعضهم عن المسلمين، أو كان المسلمون أقل من ستة أشخاص، صلوا على غير هذا الوجه.
      صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع (روى هذه الصفة البخاري ومسلم): وهي التي اختارها الشافعية والحنابلة إذا كان العدو في غير جهة القبلة، كما اختارها المالكية مطلقاً في مشهور المذهب، سواء أكان العدو في جهة القبلة أم لا. وهي أن يقسم الإمام العسكر طائفتين: طائفة معه، وأخرى تحرس العدو، فيصلي بأذان وإقامة بالطائفة الأولى التي معه في الصلاة الثنائية ركعة، وفي الثلاثية والرباعية ركعتين، ثم يتمون لأنفسهم ويسلمون، ثم يذهبون ويحرسون.
      وتأتي الطائفة الثانية، فيقتدون، ويصلي بهم الإمام الركعة الثانية في الثنائية، والركعتين الأخريين في الرباعية، والثالثة في المغرب، ويسلم الإمام، ويتمون صلاتهم بفاتحة وسورة، ولكن بعد سلامه عند المالكية، وينتظر الإمام في التشهد عند الشافعية والحنابلة ثم يسلم بهم، كما هو نص الحديث، ويقرأ الإمام بعد قيامه للركعة الثانية الفاتحة وسورة بعدها في زمن انتظاره الفرقة الثانية، ويكرر التشهد أو يطيل الدعاء فيه. ولا يسلم قبلهم عند الشافعية والحنابلة لقوله تعالى: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} فيدل على أن صلاتهم كلها معه، وتحصل المعادلة بين الفرقتين، فإن الأولى أدركت مع الإمام فضيلة الإحرام، والثانية فضيلة السلام.
      صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كما رواها ابن عمر (روى هذا الصفة البخاري ومسلم)، وهي التي اختارها الحنفية: أن يجعل الإمام الناس طائفتين: طائفة في وجه العدو، وطائفة خلفه، فيصلي بهذه الطائفة ركعة وسجدتين وتتمم صلاتها عند الجمهور بقراءة سورة الفاتحة وتسلم وتذهب للحراسة. وقال الحنفية: ثم تمضي إلى وجه العدو للحراسة بدون إتمام الصلاة.
      وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم الإمام ركعة وسجدتين، ويتشهد ويسلم وحده لتمام صلاته، ولم يسلموا عند الحنفية لأنهم مسبوقون، وإنما يذهبون مشاة للحراسة في وجه العدو. وتتمم هذه الطائفة صلاتها عند الجمهور بقراءة سورة مع الفاتحة ثم تعود لمواقعها. وقال الحنفية: ثم تجيء الطائفة الأولى إلى مكانها الأول، أو تصلي في مكانها تقليلاً للمشي، فتتمم صلاتها وحدها بغير قراءة عند الحنفية، لأنهم في حكم اللاحقين، وتشهدوا وسلموا، وعادوا لحراسة العدو.
      ثم تأتي الطائفة الثانية، فتتمم صلاتها بقراءة سورة مع الفاتحة، لأنهم لم يدخلوا مع الإمام في أول الصلاة، فاعتبروا في حكم السابقين.

      كيفية أداء الصلوات الخمس حال الإقامة:
      فإن كان الإمام مقيماً صلى بالطائفة الأولى ركعتين من الرباعية، وبالطائفة الثانية ركعتين تسوية بينهما. ويصلي - في المذاهب الأربعة - بالطائفة الأولى ركعتين من المغرب، وبالثانية ركعة، لأنه إذا لم يكن بدّ من التفضيل فالأولى أحق به، وما فات الثانية ينجبر بإدراكها السلام مع الإمام. ويصلي الصبح بكل طائفة ركعة.
      صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في بطن نخل (مكان من نجد بأرض غطفان) (روى هذه الصفة البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، واعتمدها الشافعية بعد صلاة ذات الرقاع إذا كان العدو في غير جهة القبلة: وهي أن يصلي الإمام مرتين صلاة كاملة، بكل طائفة مرة، ويسلم بكل طائفة. وصفتها حسنة قليلة الكلفة لا تحتاج إلى مفارقة الإمام ولا إلى تعريف كيفية الصلاة، وليس فيها أكثر من أن الإمام في الصلاة الثانية متنفل يؤم مفترضين، وهو جائز اتفاقاً، وعند الحنابلة والحنفية جائز في صلاة الخوف فقط، ممنوع في غيرها.
      صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في ذات الرقاع كما رواها جابر (روى هذه الصفة البخاري ومسلم وأحمد): وهي أن يصلي الإمام الصلاة الرباعية تامة أربعاً بالنسبة إليه، وتصلي معه كل طائفة صلاة مقصورة ركعتين، بلا قضاء للركعتين، فكان للإمام أربع تامة، وللقوم ركعتان مقصورة.
      صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بذي قَرَد (ماء على بريد: 22176 م من المدينة) (روى هذه الصفة أبو داود والنسائي)، ومنعها أكثر الفقهاء، وأجازها الإمام أحمد والمحدثون لصحة الأحاديث فيها: وهي أن يصف الإمام الناس صفين: صفاً خلفه، وصفاً موازياً للعدو، ويصلي الرباعية الجائز قصرها بكل طائفة ركعة فقط، بلا قضاء ركعة أخرى.
      صلاته صلى الله عليه وسلم بأصحابه عام غزوة نجد، رواها أبو داود والنسائي: وهي أن تقوم مع الإمام طائفة، وتبقى طائفة أخرى تجاه العدو، وظهرها إلى القبلة، ثم يحرم وتحرم معه الطائفتان، وتصلي معه إحدى الطائفتين ركعة، ثم يذهبون فيقومون في وجه العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى، فتصلي لنفسها ركعة، والإمام قائم، ثم يصلي بهم الركعة التي بقيت معه. ثم تأتي الطائفة القائمة في وجه العدو، فيصلون لأنفسهم ركعة، والإمام قاعد، ثم يسلم الإمام ويسلمون جميعاً، أي أن ابتداء الصلاة وانتهاءها تم باشتراك الطائفتين مع الإمام.

      حمل السلاح في أثناء الصلاة:
يسن للمصلي عند الشافعية والحنابلة في صلاة شدة الخوف حمل السلاح في أثناء الصلاة احتياطاً، ليدفع به العدو عن نفسه، لقوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} وقوله: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} فدل على الجناح (الإثم) عند عدم ذلك، لكن لا يحمل في الصلاة سلاحاً نجساً، ولا ما يتأذى به الناس من الرمح في وسط الناس.
      سهو الإمام في صلاة الخوف:
قال المالكية والشافعية والحنابلة: إذا فرق الإمام العسكر فرقتين كما حدث في صلاة ذات الرقاع أو صلاة عسفان، فسهو الإمام في الركعة الأولى يلحق الجميع، فيسجد المفارقون للسهو عند تمام صلاتهم، لأن نفس صلاة الإمام نقص في صلاتهم، إلا أن المالكية قالوا: تسجد الفرقة الأولى السجود القبلي قبل السلام، والبعدي بعده، وتسجد الفرقة الثانية السجود القبلي مع الإمام، وتسجد السجود البعدي بعد قضاء ما عليها.
      أما بعد المفارقة في الركعة الثانية: فلا يلحق سهو الإمام الأولين: لمفارقتهم الإمام قبل السهو.
      وتسجد الفرقة الثانية مع الإمام آخر صلاته، ويلحقهم سهوه في حال انتظارهم.
      أما سهو كل فرقة في الركعة الأولى للفرقة الأولى، وفي الركعة الثانية للفرقة الثانية، فيتحمله الإمام، لاقتداء الفرقة الأولى بالإمام حقيقة في الركعة الأولى واقتداء الفرقة الثانية حكماً في الركعة الثانية.

      بطلان صلاة الخوف
      ذهب الحنفية إلى أنه: تفسد صلاة الخوف بمشي لغير اصطفاف، وسبق حدث، وركوب مطلقاً أي لاصطفاف أو غيره، لأن الركوب عمل كثير، وهو مما لا يحتاج إليه، بخلاف المشي، فإنه أمر لابد منه، حتى يصطفوا بإزاء العدو.
      كما تفسد بقتال كثير، لا بقليل كرَمْية سهم، فلا يقاتل المصلون حال الصلاة لعدم الضرورة إليه، فإذا فعلوا ذلك، وكان كثيراً، بطلت صلاتهم لمنافاته للصلاة من غير ضرورة إليه، بخلاف المشي، فإنه ضروري لأجل الاصطفاف.
      قال الشافعية: لا يجوز الصياح ولا غيره من الكلام بلا خلاف، فإن صاح فبان منه حرفان، بطلت صلاته بلا خلاف، لأنه ليس محتاجاً إليه، بخلاف المشي وغيره.
      ولا تضر الأفعال اليسيرة بلا خلاف، لأنها لا تضر في غير الخوف ففيه أولى.
      وأما الأفعال الكثيرة: فإن لم تتعلق بالقتال، بطلت الصلاة بلا خلاف. وإن تعلقت به كالطعنات والضربات المتوالية، فإن لم يحتج إليها أبطلت بلا خلاف أيضاً، لأنها عبث.
      وإن احتاج إليها فالأصح عند الأكثرين: أن الصلاة لا تبطل، قياساً على المشي، ولأن مدار القتال على الضرب، ولا يحصل المقصود غالباً بضربة وضربتين، ولا يمكن التفريق بين الضربات.

      الصلاة عند التحام القتال واشتداد الخوف:
      اتفق الفقهاء على أنه ليس للصلاة كيفية معينة عند اشتداد الخوف من العدو، ويصلي العسكر إيماء. وعبارات الفقهاء في ذلك ما يأتي:
      ذهب الحنفية إلى أنه إذا: إن اشتد خوف العسكر بحيث لا يدعهم العدو يصلون وعجزوا عن النزول، صلوا ركباناً فرادى، لأنه لا يصح الاقتداء لاختلاف المكان بين الإمام والمأمومين، ويومئون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاءوا، إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة، لقوله تعالى: {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً}، وسقط التوجه للقبلة للضرورة، كما سقطت أركان الصلاة.
      والسابح في البحر: إن أمكنه أن يرسل أعضاءه ساعة صلى بالإيماء، وإلا لا تصح صلاته، كصلاة الماشي والسائف، وهو يضرب بالسيف، فلا يصلي أحد حال المسايفة.
      وذهب المالكية إلى أنه: تجوز الصلاة عند اشتداد الخوف، وفي حال المسايفة أو مناشبة الحرب، في آخر الوقت المختار، إيماء بالركوع والسجود إن لم يمكنا، ويخفض للسجود أكثر من الركوع، فرادى (وُحداناً)، بقدر الطاقة، مشاة وركباناً، وقوفاً أو ركضاً، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
      فيحل للمصلي صلاة الالتحام للضرورة مشي وهرولة وجري وركض، وضرب وطعن للعدو، وكلام من تحذير وإغراء، وأمر ونهي، وعدم توجه للقبلة، ومسك سلاح ملطخ بالدم. فإن أمنوا في صلاة الالتحام أتموا صلاة أمن بركوع وسجود.
      وذهب الشافعية إلى أنه: إذا التحم القتال أو اشتد الخوف يصلي كل واحد كيف أمكن راكباً وماشياً، وأومأ للركوع والسجود، إن عجز عنهما، والسجود أخفض. ويعذر في ترك القبلة، وكذا الأعمال الكثيرة لحاجة في الأصح ولا يعذر في الصياح بل تبطل به الصلاة، ويُلقي السلاح إذا دُمي دماً لا يعفى عنه، حذراً من بطلان الصلاة، فإن احتاج إلى إمساكه بأن لم يكن له منه بد، أمسكه للحاجة. ولا قضاء للصلاة حينئذ في الأظهر.
      وله أن يصلي هذه الصلاة (أي شدة الخوف) حضراً وسفراً، في كل قتال وهزيمة مباحين وهرب من حريق وسيل وسبع وغريم عند الإعسار، وخوف حبسه.
      وذهب الحنابلة إلى أنه: إذا كان الخوف شديداً، وهم في حال المسايفة، صلوا رجالاً وركباناً، إلى القبلة وإلى غيرها، يومئون إيماء بالركوع والسجود على قدر الطاقة، ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم كالمريض، يبتدئون تكبيرة الإحرام إلى القبلة إن قدروا أو إلى غيرها. ويتقدمون ويتأخرون، ويضربون ويطعنون، ويكرون ويفرون، ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها.
      ويصح أن يصلوا في حال شدة الخوف جماعة، بل تجب، رجالاً وركباناً، بشرط إمكان المتابعة، فإن لم تمكن لم تجب الجماعة ولا تنعقد.
      ولا يضر تأخر الإمام عن المأموم في شدة الخوف، للحاجة إليه.
      ولا يضر تلويث سلاحه بدم ولو كان كثيراً، وتبطل الصلاة بالصياح والكلام لعدم الحاجة إليه.

      وتجوز هذه الصلاة لمن هرب من عدوه هرباً مباحاً كخوف قتل أو أسر محرَّم بأن يكون الكفار أكثر من مثلي المسلمين، أو هرب من سيل أو سبع ونحوه، كنار أو غريم ظالم، أو خاف على نفسه أو أهله أو ماله من شيء مما سبق.

صلاة الاستسقاء




صلاة الاستسقاء

  • تعريف الاستسقاء
  • مشروعية صلاة الاستسقاء
  • صفة صلاة الاستسقاء ووقتها والمكلف بها والقراءة فيها
  • خطبة الاستسقاء
  • ما يستحب في الاستسقاء أو وظائف الاستسقاء


      تعريف الاستسقاء:
      الاستسقاء: لغة: طلب السقيا، وشرعاً: طلب السقي من الله تعالى بمطر عند حاجة العباد إليه على صفة مخصوصة أي بصلاة وخطبة واستغفار وحمد وثناء.

      سبب الاستسقاء: قلة الأمطار، وشح المياه، والشعور بالحاجة لسقي الزرع وشرب الحيوان، ويحدث الجفاف عادة ابتلاء من الله تعالى، بسبب غفلة الناس عن ربهم، وتفشي المعاصي بينهم، فيحتاج الأمر للتوبة والاستغفار والتضرع إلى الله تعالى، فإذا فعل العباد ذلك، تفضل عليهم خالقهم وأنعم عليهم بإنزال المطر، كما قص علينا القرآن الكريم من دعاء الأنبياء نوح وموسى وهود عليهم السلام لإغاثة أقوامهم، قال تعالى عن نوح: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10 - 13].

      مشروعية صلاة الاستسقاء:
      ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإذا صلى الناس فرادى أو وُحدانا، جاز من غير كراهة، لأنها نفل مطلق، وإنما الاستسقاء: دعاء واستغفار، لأنه السبب لإرسال الأمطار، بلا جماعة مسنونة، وبلا خطبة، وبلا قلب رداء، وبلا حضور ذمي، لقوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} ورسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى، ولم يرو عنه الصلاة.
      وذهب جمهور الفقهاء إلى أن: صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة حضراً وسفراً، عند الحاجة، ثابتة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه، رضي الله عنهم. وتكرر في أيام ثانياً وثالثاً وأكثر، إن تأخر السقي، حتى يسقيهم الله تعالى، فإن الله يحب الملحين في الدعاء.
      ودليل سنيتها أحاديث متعددة منها حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الاستسقاء ركعتين، كصلاة العيد. رواه أبو داود الترمذي.
      وإن تأهب الناس لصلاة الاستسقاء، فسقوا وأمطروا قبلها، صلوها عند المالكية لطلب سعة، واجتمعوا عند الشافعية للشكر والدعاء، ويصلون صلاة الاستسقاء المعروفة شكراً أيضاً، على الصحيح، كما يجتمعون للدعاء ونحوه، ويخطب بهم الإمام أيضاً، ولو سقوا في أثنائها أتموها، جزماً.
      وعند الحنابلة : لا يخرج الناس حينئذ للصلاة، وشكروا الله على نعمته، وسألوه المزيد من فضله. أما إن خرجوا فأمطروا قبل أن يصلوا، صلوا شكراً لله تعالى، وحمدوه ودعوه.

      صفة صلاة الاستسقاء ووقتها والمكلف بها والقراءة فيها:
      اتفق الجمهور غير أبي حنيفة على أن صلاة الاستسقاء ركعتان بجماعة في المصلى بالصحراء خارج البلد، بلا أذان ولا إقامة، وإنما ينادى لها "الصلاة جامعة" لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقمها إلا في الصحراء، وهي أوسع من غيرها في المصلى، ويجهر فيهما بالقراءة، كصلاة العيد، بتكبيراته عند الشافعية والحنابلة بعد الافتتاح قبل التعوذ، سبعاً في الركعة الأولى، وخمساً في الثانية برفع يديه ووقوفه بين كل تكبيرتين كآية معتدلة، قال ابن عباس : "سنة الاستسقاء سنة العيدين" فتسن في الصحراء، مع تكبير العيد، بلا أذان ولا إقامة، لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة.
      ويجعل عند المالكية الاستغفار بدل التكبير، فليس في الاستسقاء تكبير، بل فيه الاستغفار بدل التكبير.
      ويقرأ في الصلاة ما شاء جهراً، كما في صلاة العيدين، والأفضل أن يقرأ فيهما عند المالكية بسبح، والشمس وضحاها، وعند الحنابلة والصاحبين مثلما يقرأ في صلاة العيد بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وإن شاء قرأ في الركعة الأولى بـ{إنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً} لمناسبتها الحال، وفي الركعة الثانية سورة أخرى من غير تعيين.
      وعند الشافعية: يقرأ في الأولى جهراً بسورة "ق" وفي الثانية: و"اقتربت" في الأصح، أو بسبح والغاشية، قياساً لا نصاً.
      والمستحب الخروج إلى الصحراء، إلا في مكة والمدينة وبيت المقدس ففي المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، فيخرج الناس ثلاثة أيام مشاة في ثياب خَلِقة غَسِيلة، متذللين متواضعين، خاشعين لله تعالى، ناكسين رؤوسهم، مقدمين الصدقة كل يوم قبل خروجهم، ويحددون التوبة، ويستسقون بالضَّعَفة والشيوخ والعجائز والأطفال.
      ولا يشترط إذن الإمام لصلاة الاستسقاء عند أبي حنيفة، لأن المقصود هو الدعاء فلا يشترط له إذن الإمام، ويشترط ذلك عند الشافعية، وعن الإمام أحمد روايتان.
      وقت صلاة الاستسقاء: فليس لها وقت معين، ولا تختص بوقت العيد،إلا أنها لا تفعل في وقت النهي عن الصلاة، بغير خلاف، لأن وقتها متسع، فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي. ويسن فعلها أول النهار، وقت صلاة العيد، لحديث عائشة : "أنه صلى الله عليه وسلم خرج حين بدا حاجب الشمس" رواه أبو داود، ولأنها تشبه صلاة العيد في الموضع والصفة، فكذلك في الوقت، لأن وقتها لا يفوت بزوال الشمس، لأنها ليس لها يوم معين، فلا يكون لها وقت معين.
      ولا تتقيد بزوال الشمس ظهراً، فيجوز فعلها بعده، كسائر النوافل. وإن استسقى الناس عقب صلواتهم أو في خطبة الجمعة، أصابوا السنة فيجوز الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة لحديث عمر رضي الله عنه أنه خرج يستسقي، فصعد المنبر فقال: "استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات، ويجعل لكم أنهاراً، استغفروا ربكم، إنه كان غفاراً، ثم نزل، فقيل : يا أمير المؤمنين، لو استسقيت؟ فقال: لقد طلبت بمجاديح(1) السماء التي يستنزل بها القطر" رواه البيهقي.
      والمكلف بها: الرجال القادرون على المشي، ولا يؤمر بها النساء والصبيان غير المميزين على المشهور عند المالكية، وقال الشافعية والحنفية: يندب خروج الأطفال والشيوخ والعجائز، ومن لا هيئة لها من النساء، والخنثى القبيح المنظر، لأن دعاءهم أقرب إلى الإجابة، إذ الكبير أرق قلباً، والصغير لا ذنب عليه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم" رواه البخاري. ويكره خروج الشابات والنساء ذوات الهيئة، خوف الفتنة.
      إخراج الدواب: ولا يستحب عند المالكية والحنابلة إخراج البهائم والمجانين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله.
      ويستحب إخراجها مع أولادها عند الحنفية والشافعية، ويباح ذلك عند الحنابلة، لأن الرزق مشترك بين الكل، وليحصل التحنّن، ويظهر الضجيج بالحاجات، روى البزار مرفوعاً بسند ضعيف: "لولا أطفال رُضَّع، وعباد رُكَّع، وبهائم رُتَّع، لصب عليكم العذاب صباً"
_____________________
(1) والمجاديح : جمع مجدح، وهو كل نجم كانت العرب تقول : يمطر به، فأخبر عمر رضي الله عنه : أن الاستغفار : هو المجاديح الحقيقية التي يستنزل بها القطر، لا الأنواء، وإنما قصد التشبيه. وقيل : مجاديحها : مفاتيحها.     

      هل يخرج أهل الذمة ؟
      ذهب الحنفية إلى أنه: لا يحضر أهل الذمة الاستسقاء، لأن الخروج للدعاء، وقد قال تعالى: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ} [الرعد: 14]، ولأنه لاستنزال الرحمة، وإنما تنزل عليهم اللعنة.
      وذهب الجمهور إلى أنه: لا يمنع أهل الذمة من الخروج مع المسلمين، وأمروا أن يكونوا منفردين لا يختلطون بنا في مصلانا، ولا عند الخروج، ويكره اختلاطهم بنا، كما يكره خروجهم عند الشافعي، ولا يؤمن على دعائهم، لأن دعاء الكافر غير مقبول. وكونهم لا يمنعون الحضور، لأنهم يسترزقون ويطلبون أرزاقهم من ربهم، وفضل الله واسع، وقد يجيبهم الله تعالى استدراجاً، وطعمة في الدنيا، قال تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] والله ضمن أرزاقهم في الدنيا كما ضمن أرزاق المؤمنين.
      وانفرادهم عن المسلمين، لأنه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب، فيعم من حضرهم، فإن قوم عاد استسقوا، فأرسل الله عليهم ريحاً صرصراً فأهلكتهم.

      خطبة الاستسقاء:
      ذهب أبو حنيفة إلى أنه: لا خطبة للاستسقاء، لأنها تبع للجماعة، ولا جماعة لها عنده، وإنما دعاء واستغفار يستقبل فيهما الإمام القبلة.
      وذهب الجمهور إلى أنه: يخطب الإمام للاستسقاء بعد الصلاة خطبتين كصلاة العيد عند المالكية والشافعية، لقول ابن عباس: صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء كما صنع في العيدين، وخطبة واحدة عند الحنابلة، لأنه لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم خطب بأكثر منها.
      وتجوز عند الشافعية الخطبة قبل الصلاة، لحديث عبد الله بن زيد: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم خرج يستسقي، فحوَّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءة، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة" متفق عليه.
      وتختلف عن خطبة العيد في رأي المالكية والشافعية أن الإمام يستغفر الله تعالى بدل التكبير، فيقول: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه" ويكثر فيها بالاتفاق الاستغفار، لأنه سبب لنزول الغيث.
      ولا حد للاستغفار عند المالكية في أول الخطبة الأولى والثانية.
      ويستغفر الخطيب في الخطبة الأولى عند الشافعية تسعاً،وفي الثانية سبعاً، ويستحب أن يكثرمن الاستغفار، لقوله تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا }. ويفتتح الإمام عند الحنابلة الخطبة بالتكبير تسعاً نسقاً كخطبة العيد، ويكثر فيها عندهم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها معونة على الإجابة، قال عمر: "الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك"، ويقرأ كثيراً: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} وسائر الآيات التي فيها الأمر به، فإن الله تعالى وعدهم بإرسال الغيث إذا استغفروه.
      الدعاء في الخطبة:
ويدعو الإمام في الخطبة الأولى: "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً مَريعاً، غَدَقاً، مجلَّلاً، سَحَّاً، طَبَقاً دائماً"(1)، رواه ابن ماجه.
      "اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين (أي الآيسين بتأخير المطر)، اللهم إن بالعباد والبلاد والخلق من اللأواء (شدة الجوع)، والجَهد (قلة الخير وسوء الحال)، والضنك (أي الضيق)، ما لا نشكو إلا إليك.
      اللهم أنبت لنا الزرع، وأدرّ لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض. اللهم ارفع عنا الجهد والعُرْي والجوع، واكشف عنا من البلاء، ما لا يكشفه غيرك.
      اللهم إنا نستغفرك، إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً". أي درّاً أي مطراً كثيراً. وكل ذلك ثابت بحديث واحد عن عبد الله بن عمر.
      ويبالغ في الدعاء سراً وجهراً لقوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] ويؤمن القوم على دعائه، فيقول: اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا، إنك لا تخلف الميعاد. وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين".
      أما الناس فيسرون بالدعاء إن أسر الإمام، ويجهرون به إن جهر.
      ويستحب للخطيب استقبال القبلة في أثناء الدعاء، وهو أن الإمام يستقبل القبلة بالدعاء في الخطبة.
      وقال المالكية: يستقبل القبلة بوجهه قائماً بعد الفراغ من الخطبتين، ويبالغ في الدعاء برفع الكرب والقحط وإنزال الغيث والرحمة وعدم المؤاخذة بالذنوب، ولا يدعو لأحد من الناس.
      وقال الشافعية: يستقبل الإمام القبلة بعد صدر (نحو ثلث) الخطبة الثانية، ثم يدعو سراً وجهراً، ثم يستقبل الناس بوجهه ويحثهم على الطاعة، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويقرأ آية أو آيتين، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويختم بقوله : أستغفر الله لي ولكم.
وقال الحنابلة: يستقبل القبلة في أثناء الخطبة.
_______________________
(1) معناه اللهم اسقنا مطراً، منقذاً من الشدة بإروائه، طيباً لا ينغصه شيء، محمر العاقبة، ذا ريع أي نماء، كثير الماء والخير، يجلل الأرض أي يعمها، شديد الوقع على الأرض، مطبقاً على الأرض أي مستوعباً لها، دائماً إلى انتهاء الحاجة.
     
      رفع الأيدي في الدعاء:
ويستحب رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء، لحديث أنس: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه، حتى يُرى بياض إبطيه" متفق عليه.
      قلب الرداء أو تحويله: قال الصاحبان أبو يوسف ومحمد: يقلب الإمام رداءه عند الدعاء، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم: "لما استسقى حوَّل ظهره إلى الناس، واستقبل القبلة، وحوَّل رداءه" رواه البخاري ومسلم.
      يحول الإمام رداءه عند استقبال القبلة، على الخلاف السابق في وقت الاستقبال، ويحول الناس الذكور مثله أي مثل الإمام، وهو جلوس.
      وصفة التحويل: أن يجعل يمينه يساره وعكسه أي يجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، بلا تنكيس للرداء عند المالكية والحنابلة، أي فلا يجعل الحاشية السفلى التي على رجليه على أكتافه.
      وعند الشافعية، فيجعل أعلاه أسفله وعكسه، لحديث: "أنه صلى الله عليه وسلم استسقى، وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها، فثقُلت عليه، فقلَبها الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن".
      ودليل التحويل للناس: حديث عبد الله بن زيد: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استسقى لنا، أطال الدعاء، وأكثر المسألة، ثم تحول إلى القبلة، وحول رداءه، فقلبه ظهراً لبطن، وتحول الناس معه" رواه أحمد.
      قال الحنابلة: ويظل الرداء محولاً حتى يُنزع مع الثياب بعد الوصول إلى المنزل، لعدم نقل إعادته.

   ما يستحب في الاستسقاء أو وظائف الاستسقاء :
      - يأمر الإمام الناس بالتوبة من المعاصي، والتقرب إلى الله تعالى بوجوه البر والخير من صدقة وغيرها والخروج من المظالم وأداء الحقوق، لأن ذلك أرجى للإجابة، قال تعالى:
{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [هود: 52]، ولأن المعاصي والمظالم سبب القحط ومنع القطر، والتقوى سبب البركات، لقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 96] ويأمر الإمام أيضاً بصيام ثلاثة أيام قبل صلاة الاستسقاء، ويخرج الناس في آخر صيامها، أو في اليوم الرابع إلى الصحراء صياماً، لأنه وسيلة إلى نزول الغيث، وقد روي: "ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر، والإمام العادل والمظلوم".
      قال الشافعية: ويلزم الناس امتثال أمر الإمام.
وقال الحنابلة: ولا يلزم الصيام والصدقة بأمره.
      ويأمرهم الإمام أيضاً بالصدقة، لأنها متضمنة للرحمة المفضية إلى رحمتهم بنزول الغيث. كما يأمرهم بترك التشاحن من الشحناء وهي العداوة، لأنها تحمل على المعصية والبهت، وتمنع نزول الخير بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت" رواه مسلم ويعين الإمام يوماً يخرج الناس فيه.
      - أن يخرج الإمام والناس مشاة إلى الاستسقاء في الصحراء ثلاثة أيام متتابعة، إلا في مكة والمدينة وبيت المقدس، فيجتمعون في المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.
      - التنظف للاستسقاء بغسل وسواك وإزالة رائحة وتقليم أظفار ونحوه، لئلا يؤذي الناس، وهو يوم يجتمعون له كالجمعة.
      ولا يستحب التطيب، لأنه يوم استكانة وخضوع، ولأن الطيب للزينة وليس هذا وقت زينة.
      - يخرج المرء إلى المصلى متواضعاً متذللاً، متخشعاً (خاضعاً) متضرعاً (مستكيناً) متبذلاً (في ثياب بذلة).
      - التوسل بأهل الدين والصلاح والشيوخ والعلماء المتقين والعجائز والأطفال والدواب، تحصيلاً للتحنن، وإظهار الضجيج بالحاجات، ويسن لكل من حضر أن يستشفع سراً بخالص عمله.
      - الخروج إلى المصلى في الصحراء : لحديث عائشة : "شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى" رواه أبو داود، ولأن الجمع يكثر، فكان المصلى أرفق بهم.
      - الدعاء بالمأثور في الخطبة وعند نزول الغيث، لما روى البيهقي "أن الدعاء يستجاب في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف، ونزول الغيث، وإقامة الصلاة ورؤية الكعبة" ولما روى البخاري عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر، قال: صيباً نافعاً" أي مطراً شديداً. ومجموع الدعاء عند نزول المطر من أحاديث متفرقة: "اللهم صيّباً هنيئاً، وسيباً - أي عطاء - نافعاً، مطرنا بفضل الله ورحمته" ويقول عند التضرر بكثرة المطر: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية ومنابت الشجر" متفق عليه "الله سقيا رحمة ولا سقيا عذاب، ولا محق ولا بلاء، ولا هَدْم ولا غَرَق".
      - يستحب لأهل الخصب أن يدعوا لأهل الجدب، لأنه من التعاون على البر والتقوى.
      - وقال الشافعية: يستحب لكل أحد أن يبرز (يظهر) لأول مطر السنة، وأول كل مطر ويكشف من جسده غير عورته ليصيبه شيء من المطر تبركاً. روى مسلم "أنه صلى الله عليه وسلم حسر عن ثوبه حتى أصاب المطر، وقال: إنه حديث عهد بربه" رواه أبو داود أي بخلقه وتنزيله وتكوينه، ويستحب أيضاً أن يغتسل أو يتوضأ بماء السيل.
      - قال المالكية: جاز التنفل في المصلى أو المسجد قبل صلاة الاستسقاء وبعدها، لأن المقصود من الاستسقاء الإقلاع عن الخطايا، والاستكثار من فعل الخير.
      بخلاف العيد، فإنه يكره عند الجمهور غير الشافعية التنفل قبل صلاته وبعدها بالمصلى، لا في المسجد عند المالكية، وفي المسجد أيضاً عند الحنفية والحنابلة، لكن لا بعدها عند الحنفية.


صلاة الخسوف والكسوف




صلاة الخسوف والكسوف
  • معنى الخسوف والكسوف
  • حكم صلة الخسوف والكسوف
  • كيفية صلاة الكسوف
  • الجهر والإسرار بالقراءة في صلاة الكسوف
  • وقت صلاة الخسوف والكسوف
  • خطبة صلاة الكسوف
  • الجماعة في صلاة الكسوف
  • صلاة خسوف القمر

معنى الكسوف والخسوف:
      والكسوف: هو ذهاب ضوء الشمس أو بعضه في النهار لحيلولة ظلمة القمر بين الشمس والأرض.
      والخسوف: هو ذهاب ضوء القمر أو بعضه ليلاً لحيلولة ظل الأرض بين الشمس والقمر.

      حكم صلاة الكسوف والخسوف:
      صلاة الكسوف والخسوف سنة ثابتة مؤكدة باتفاق الفقهاء.
      وهي مشروعة حضراً وسفراً للرجال والنساء، أي في حق كل من هو مخاطب بالمكتوبات الخمس: لأنه صلى الله عليه وسلم فعلها لكسوف الشمس، ولخسوف القمر، وللصبيان والعجائز حضورها كالجمعة والعيدين.
      وتشرع بلا أذان ولا إقامة، ويندب أن ينادى لها: "الصلاة جامعة"، لأن النبي صلى الله عليه وسلم (بعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة) متفق عليه.
      وتصلى جماعة أو فرادى، سراً أو جهراً، بخطبة أو بلا خطبة، لكن فعلها في مسجد الجمعة والجماعة أفضل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد.

      كيفية صلاة الكسوف:
ذهب الحنفية إلى أن صلاة الكسوف ركعتان كهيئة الصلوات الأخرى من صلاة العيد والجمعة والنافلة، بلا خطبة ولا أذان ولا إقامة، ولا تكرار ركوع في كل ركعة، بل ركوع واحد، وسجدتان.
      وذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن: صلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعة قياماً، وقراءتان وركوعان، وسجودان. والسنة أو الأكمل أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة البقرة أو نحوها في الطول، وفي القيام الثاني بعد الفاتحة دون ذلك أي بقدر مائتي آية مثل آل عمران، وفي القيام الثالث بعد الفاتحة دون ذلك، أي بقدر مائة وخمسين آية، مثل النساء، وفي القيام الرابع بعد الفاتحة دون ذلك بقدر مائة تقريباً مثل المائدة.
      فيقرأ أولاً المقدار الأول، ثم يركع، ثم يرفع، ويقرأ المقدار الثاني، ثم يركع ثم يرفع، ثم يسجد كما يسجد في غيرها، ويطيل الركوع، والسجود في الصحيح عند الشافعية، ويكرر ذلك في الركعة الثانية.
      ويسبح في الركوع الأول قدر مائة من البقرة، وفي الثاني ثمانين، والثالث سبعين، والرابع خمسين تقريباً.
      وذكر الحنابلة أنه يجوز فعل صلاة الكسوف على كل صفة وردت عن الشارع، إن شاء أتى في كل ركعة بركوعين وهو الأفضل، لأنه أكثر في الرواية، وإن شاء صلاها بثلاثة ركوعات في كل ركعة. لما روى مسلم عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم "صلى ست ركعات بأربع سجدات" أو أربعة ركوعات في كل ركعة، لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم "صلى في كسوف: قرأ، ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، والأخرى مثلها" رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
      أو خمسة ركوعات في كل ركعة، لما روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال: "انكسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأنه صلى بهم، فقرأ سورة من الطوال، ثم ركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام إلى الثانية، فقرأ سورة من الطوال، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها" رواه أبو داود، ولا يزيد على خمسة ركوعات في كل ركعة، لأنه لم يرد به نص.
      وإن شاء فعل صلاة الكسوف كنافلة بركوع واحد، لأن ما زاد عليه سنة.
      ومهما قرأ به جاز، سواء أكانت القراءة طويلة أم قصيرة، وقد روي عن عائشة : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات وأربع سجدات، وقرأ في الأولى بالعنكبوت والروم، وفي الثانية بيس" رواه الدارقطني.

      الجهر والإسرار بالقراءة في صلاة الكسوف:
      ذهب أبو حنيفة إلى أنه: يخفي الإمام القراءة في صلاة الكسوف والأصل في صلاة النهار الإخفاء.
      وأما صلاة الخسوف فتصلى فرادى سراً.
      وذهب المالكية والشافعية إلى أن: يسر الإمام في صلاة الكسوف، ولأنها صلاة نهارية، ويجهر في صلاة خسوف القمر، لأنها صلاة ليل أو ملحقة بها، وقد جهر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف بقراءته.
      وذهب الحنابلة إلى أنه: يجهر في صلاتي الكسوف والخسوف.

      وقت صلاة الكسوف والخسوف:

      ذهب الحنفية إلى أن: وقت صلاة الكسوف هو الوقت الذي يستحب فيه أداء سائر الصلوات دون الأوقات المكروهة، لأن أداء النوافل أو الوجبات في هذه الأوقات مكروهة، كسجدة التلاوة وغيرها.
      وذهب المالكية إلى أنه: لا يصلى لكسوف الشمس إلا في الوقت الذي تجوز فيه النافلة، فوقتها كالعيد والاستسقاء من حلّ النافلة إلى الزوال، فإذا كسفت بعد الزوال لم تُصلَّ.
      وأما صلاة الخسوف: فيندب تكرارها حتى ينجلي القمر، أو يغيب في الأفق، أو يطلع الفجر، فإن حصل واحد من هذه الثلاثة فلا صلاة.
      وذهب الشافعية إلى أنه: تصلى صلاة الكسوفين في جميع الأوقات، لأنها ذات سبب، وتفوت صلاة كسوف الشمس: بالانجلاء لجميع المنكسف، وبغروب الشمس كاسفة.
      وتفوت صلاة خسوف القمر: بالانجلاء لحصول المقصود، وبطلوع الشمس وهو- أي القمر- منخسف لعدم الانتفاع حينئذ بضوئه. ولا تفوت في الجديد بطلوع الفجر لبقاء ظلمة الليل والانتفاع به، كما لا تفوت بغروب القمر خاسفاً، لبقاء محل سلطنته وهو الليل، فغروبه كغيبوبته تحت السحاب خاسفاً.
      وذهب الحنابلة إلى أن وقتها: من حين الكسوف إلى حين التجلي، وإن تجلى الكسوف وهو فيها أتمها خفيفة على صفتها، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مسعود:"فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم"متفق عليه، ولأن المقصود التجلي وقد حصل. ولا يقطع الصلاة، لقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] ولكن شرع تخفيفها حينئذ لزوال السبب.
      وإن شك في التجلي لنحو غيم أتمها من غير تخفيف، لأن الأصل عدمه، فيعمل بالأصل في حال بقاء الكسوف، ويعمل بالأصل في وجود الكسوف إذا شك فيه، فلا يصلي، لأن الأصل عدمه.
      وتفوت صلاة الكسوفين بالتجلي قبل الصلاة، أو بغيبوبة الشمس كاسفة، أو بطلوع الشمس والقمر خاسف، أو بطلوع الفجر والقمر خاسف، لأنه ذهب وقت الانتفاع بهما.

خطبة صلاة الكسوف:
      ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه: لا خطبة لصلاة الكسوف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم" أمر بالصلاة دون الخطبة" وإنما خطب بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، وهذا مختص به، وليس في الخبر ما يدل على أنه خطب كخطبتي الجمعة.
      وذهب المالكية إلى أنه: لا يشترط لهذه الصلاة خطبة، وإنما يندب وعظ بعدها مشتمل على الثناء على الله، والصلاة والسلام على نبيه، لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك.
      وذهب الشافعية إلى أن: السنة أن يخطب الإمام لصلاة الكسوفين خطبتين بعد الصلاة، كخطبة العيد والجمعة بأركانهما، اتباعاً للسنة.
      ذكر الله تعالى والدعاء:
اتفق الفقهاء على أنه يستحب ذكر الله تعالى والدعاء والاستغفار والصدقة والتقرب إلى الله تعالى بما استطاع من القرب، لقوله صلى الله عليه وسلم:" فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا" متفق عليه ولأنه تخويف من الله تعالى، فينبغي أن يبادر إلى طاعة الله تعالى ليكشفه عن عباده.
      والدعاء يكون بعد الصلاة، يدعو الإمام جالساً مستقبلاً القبلة إن شاء، أو قائماً مستقبلاً الناس.

      الجماعة في صلاة الكسوف:

      اتفق الفقهاء على أن صلاة الكسوف تسن جماعةً في المسجد، وينادى لها "الصلاة جامعة"، اتباعاً للسنة كما في الصحيحين، قالت عائشة: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فقام وكبر، وصف الناس وراءه" متفق عليه. ويصلي بالناس الإمام الذي يصلِّي بهم الجمعة.
      ذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز: صلاتها فرادى، لأنها نافلة، ليس من شرطها الاستيطان، فلم تشترط لها الجماعة كالنوافل.
وقال الحنفية: إن لم يحضر إمام الجمعة صلاها الناس فرادى ركعتين أو أربعاً، في منازلهم.

صلاة خسوف القمر
ذهب الحنفية والمالكية إلى: أنها تصلى فرادى (أفذاذاً) كسائر النوافل، لأن الصلاة بجماعة في خسوف القمر لم تنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن خسوفه كان أكثر من كسوف الشمس، ولأن الأصل أن غير المكتوبة لا تؤدى بجماعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة" إلا إذا ثبت بالدليل كما في العيدين وقيام رمضان وكسوف الشمس، ولأن الاجتماع بالليل متعذر، أو سبب الوقوع في الفتنة.
      وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن صلاة الخسوف تصلى جماعة كالكسوف، لما روي عن ابن عباس أنه صلى بالناس في خسوف القمر، قال: صليت كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحديث محمود بن لبيد : "فإذا رأيتموها كذلك فافزعوا إلى المساجد".
      صلاة خسوف القمر:
      ذهب الحنفية إلى أنه: تصلى صلاة الخسوف ركعتين أو أربعاً فرادى، كالنافلة، في المنازل.
      وذهب المالكية إلى أنه: يندب لخسوف القمر ركعتان جهراً كالنوافل بقيام وركوع فقط على العادة.
      وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنّ: صلاة الخسوف كالكسوف، تُصلى جماعةً، بركوعين وقيامين وقراءتين وسجدتين في كل ركعة، لكنها تؤدى جهراً لا سراً عند الشافعية، كما هو المقرر فيهما عند الحنابلة، لقول عائشة: "إن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات" متفق عليه.


الصلاة عند الفزع:

      قال المالكية: لا يؤمر المرء بالصلاة عند الزلازل والمخاوف والآيات التي هي عبرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل لغير الكسوفين، وقد كان في عصره بعض هذه الآيات، وكذلك خلفاؤه من بعده، لم يصلوا.
      وقال الجمهور: يصلى للزلزلة فرادى لا جماعة، لفعل ابن عباس.
ولا يصلى عند الحنابلة لغيرها من سائر الآيات، كالصواعق والريح الشديدة والظلمة بالنهار، والضياء بالليل، لعدم نقل ذلك عنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مع أنه وجد في زمانهم انشقاق القمر، وهبوب الرياح والصواعق.
      وذهب الحنفية والشافعية إلى: أنه يندب أن يصلي الناس فرادى ركعتين مثل كيفية الصلوات، لا على هيئة الخسوف لنحو الزلازل، كالصواعق والظلمة الهائلة نهاراً، والريح الشديدة مطلقاً ليلاً أو نهاراً، والفزع بانتشار الكواكب والضوء الهائل ليلاً، والثلج والأمطار الدائمة، وعموم الأمراض، والخوف الغالب من العدو ونحو ذلك من الأفزاع والأهوال، لأنها آيات مخوفة للعباد، ليتركوا المعاصي ويرجعوا إلى طاعة الله تعالى التي بها فوزهم وصلاحهم.



18‏/12‏/2014

سجدة التلاوة:





  سجدة التلاوة:

1-حكم سجدة التلاوة
      ذهب الحنفية إلى أن سجدة التلاوة واجبة على السامع والمستمع والتالي.
وذهب الشافعية إلى أنها سنة على السامع والتالي والمستمع وذهب المالكية والحنابلة إلى أنها سنه على المستمع التالي.
والمستمع: هو الذي يقصد السماع.
والسامع: هو الذي لا يقصد السماع
- وجوب سجدة التلاوة على التراخي عند الحنفية.
      تجب سجدة التلاوة خارج الصلاة على التراخي، في وقت غير معين، إذا كان التالي أو السامع أهلاً للوجوب،سواء قصد سماع القرآنأو لم يقصد، بشرط كون المسموع منه آدمياً عاقلاً يقظاناً، ولو جُنُباً أو حائضاً أو نفساء، أو كافراً أو صبياً مميزاً أو سكران، فلو سمعها من طير كالببغاء أو صدى كآلات التسجيل لا تجب عليه، ولو سمعها من نائم أو مغمى عليه، أو مجنون أو غير مميز، فالأصح من الروايتين لا تجب عليه، لعدم صحة التلاوة بفقد التمييز.
      أما في الصلاة فتجب وجوباً مضيقاً، لأنها وجبت بما هو من أفعال الصلاة وهو القراءة، فالتحقت بأفعال الصلاة، وصارت جزءاً منها. فإن أنهى قراءته بآية السجدة: فإما أن يسجد مستقلاً ثم يعود للقراءة، وإما أن يضمنها في ركوعه أو سجوده، إن نواها في ركوعه، وسواء نواها أو لم ينوها في سجوده.
      وإذا لم ينه قراءته بآية السجدة، وتابع فقرأ بعدها ثلاث آيات فأكثر، وجب أن يسجد لها سجوداً مستقلاً، غير سجود الصلاة، ويستحب أن يعود للقراءة، فيقرأ ثلاث آيات فأكثر، ثم يركع، ويتم صلاته.
      متابعة الإمام في السجدة وسماعها من غير المصلي: ذهب الحنفية إلى أنه: إذا تلا الإمام آية السجدة، سجدها معه المأموم، لالتزامه متابعته. وإن تلا المأموم لم يسجد الإمام ولا المأموم، لا في الصلاة ولا خارجها، لأن المقتدي محجوز عن القراءة لنفاذ تصرف الإمام عليه.
      وإن سمع المصلي وهو في الصلاة آية سجدة من رجل في غير الصلاة لم يسجد لها في الصلاة، وسجدها بعد الصلاة، فإن سجدها في الصلاة لم تجزه، ولم تفسُد صلاته، لأن مجرد السجدة لا ينافي إحرام الصلاة.
      وذهب الجمهور: يلزم متابعة الإمام في السجدة، فإن سجد الإمام فتخلف المقتدي، أو سجد المأموم دون إمامه، بطلت صلاته ولا يسجد المصلي لقراءة غيره بحال، ولا يسجد مأموم لقراءة نفسه، فإن فعل بطلت صلاته، لأنه زاد فيها سجوداً.
      شروط سجود التلاوة:
      ذهب الحنفية إلى أنه يشترط لوجوب سجدة التلاوة: أهلية وجوب الصلاة من الإسلام والعقل والبلوغ، والطهارة من الحيض والنفاس، فلا تجب على الكافر والصبي والمجنون والحائض والنفساء.
      وذهب المالكية إلى أن سجدة التلاوة لا تسن للمستمع إلا إن صلح القارئ للإمامة، بأن يكون ذكراً بالغاً عاقلاً، وإلا فلا سجود عليه، بل على القارئ وحده.
      وتسن عند الشافعية ولو كان القارئ صبياً مميزاً، والمستمع رجلاً، أو محدثاً، أو كافراً، ولا تسن لقراءة جنب وسكران، لأنها غير مشروعة لهما.
      ويشترط لصحة سجدة التلاوة ما يشترط لصحة الصلاة: من طهارة الحدث (وهي الوضوء والغسل) وطهارة النجس (وهي طهارة البدن والثوب ومكان السجود والقيام والقعود)، وستر العورة، واستقبال القبلة والنية. وهذه شروط متفق عليها، واختلفوا فيما عداها.
      ذهب الحنفية إلى أنه: لا يشترط لها التحريمة ونية تعين الوقت، كما لا يشترط لها السلام كالصلاة، وتجب آية السجدة على خطيب الجمعة والعيدين، وعلى السامعين، لكن يكره للإمام الإتيان بها فوق المنبر، فينزل ويسجد ويسجد الناس معه.
      وذهب المالكية إلى أنه: لا إحرام فيها ولا تسليم. ويشترط في المستمع شروط ثلاثة، كما قدمنا:
      وذهب الشافعية إلى أنه: يشترط مع النية تكبيرة الإحرام على الصحيح، كما أخرجه أبو داود، لكن بإسناد ضعيف، وقياساً على الصلاة، ويشترط السلام بعد القعود كالصلاة، ولا يشترط التشهد.
     
      مبطلات سجود التلاوة:
      يبطل سجدة التلاوة كل ما يبطل الصلاة: من الحدث والعمل الكثير، والكلام والضحك، وعليه إعادتها.
      أسباب سجدة التلاوة وصفتها:
      تتردد أسباب سجود التلاوة بين التلاوة لآية سجدة، والسماع لها، والاستماع، كما هو موضح في المذاهب.
      ذهب الحنفية إلى أن: أسباب سجود التلاوة ثلاثة أمور:
      الأول- التلاوة: فتجب على التالي، ولو لم يسمع نفسه كأن كان أصم.
      الثاني- سماع آية سجدة أو الاستماع إليها، والاستماع يكون بقصد بخلاف السماع.
      الثالث- الاقتداء، فلو تلاها الإمام، وجبت على المقتدي، وإن لم يسمعها.
وصفة السجود عند الحنفية: أن يكبر للوضع، دون رفع يديه كسجدة الصلاة، ويسجد بين كفيه، واضعاً جبهته على الأرض للسجود، ثم يكبر للرفع، وكل من هاتين التكبيرتين سنة، ويرفع رأسه. ولا يقرأ التشهد، ولا يسلم، لعدم وجود التحريمة.
      ويقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً.
      وذهب المالكية إلى أن: سبب سجدة التلاوة أمران فقط: التلاوة والاستماع بشرط أن يقصده، كما ذكر في شروطها.
      وصفتها: هي سجدة واحدة، بلا تكبير إحرام ولا سلام، بل يكبر للسجود، ثم للرفع منه استحباباً في كل منهما. ويكبر القائم من قيام ولا يجلس، والجالس من جلوس، وينزل لها الراكب، إلا إذا كان مسافراً، فيسجدها صوب سفره بالإيماء؛ لأنها نافلة. ويسبح فيها كالصلاة: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً. فيكون مذهب المالكية قريباً في بيان الصفة من الحنفية. ويزيد في سجوده: "اللهم اكتب لي بها أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود".
      وذهب الشافعية إلى أنَّ: سبب سجود التلاوة: التلاوة والسماع والاستماع، كما قال الحنفية.
      ولها ركنان: النية لغير المأموم، أما المأموم فتكفيه نية الإمام. وسجدة واحدة، كسجدة الصلاة. والمصلي ينوي بالقلب.
      وغير المصلي: يزاد له ثلاثة أركان: تكبيرة الإحرام، والجلوس بعد السجدة، والسلام. ويسن له التلفظ بالنية.
      وصفتها: أن يكبر للهوي، وللرفع، ولا يسن له رفع يديه في الصلاة، ويسن الرفع خارج الصلاة، ولا يجلس للاستراحة في الصلاة. ويقول في سجوده:"سبحان ربي الأعلى ثلاثاً"، ويضيف قائلاً:"سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين" ويقول أيضاً: "اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع عني بها وزراً، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود"
      ويندب أن يقول: "سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً" ولو قال ما يقوله في سجوده فقط، جاز وكفى.
      ويقوم مقام سجود التلاوة ما يقوم مقام تحية المسجد، فمن لم يرد فعلها قال أربع مرات:"سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر".
      وذهب الحنابلة إلى أن سبب: التلاوة والاستماع. وبشرط ألا يطول الفصل عرفاً بينها وبين سببها. فإن كان القارىء أو السامع محدثاً، ولا يقدر على استعمال الماء تيمم. ولا يسجد المقتدي إلا لمتابعة إمامه. ويكره للإمام سجوده لقراءة سجدة في صلاة سرية، لئلا يخلط على المأمومين، فإن فعل خير المأموم بين المتابعة وتركها؛ لأنه ليس بتال ولا مستمع، والأولى السجود متابعة للإمام.
      وأركانها ثلاثة: السجود والرفع منه، والتسليمة الأولى، أما الثانية فليست بواجبة، أما التكبير للهوي والرفع من السجود والذكر في السجود فهو واجب، كما في سجود صلب الصلاة. والجلوس للتسليم مندوب. والأفضل سجوده عن قيام.
      وصفتها: أن يكبر إذا سجد وإذا رفع، ويرفع يديه مع تكبيرة السجود إن سجد في غير الصلاة؛ لأنها تكبيرة افتتاح، كما قال الشافعية. أما الصلاة فقياس المذهب ألا يرفع يديه، لأن في حديث ابن عمر"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يفعله في السجود" متفق عليه. يعني رفع يديه، ويسلم إذا رفع.
      ويقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة: "سبحان ربي الأعلى ثلاثاً". ويقول أيضاً: "سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين". ويقول أيضاً: "اللهم اكتب لي بها عندك أجراً واجعلها لي عندك ذخراً وضع عني بها وزراً وتقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود"
      نيابة الركوع عن سجدة التلاوة
-وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يندب عن السجدة الركوع.
-وذهب الحنفية إلى نيابة ذلك في الصلاة.
      6- المواضع التي تطلب فيها السجدة:
      ذهب الحنفية إلى أن عدد السجدات أربع عشرة سجدة: في سورة الأعراف الآية(206)، والرعد(15)، والنحل(49)، والإسراء(107)، ومريم(58)، وفي أول الحج(18)، وفي الفرقان(60)، وفي النمل(25)، وفي ألم السجدة(15)، وفي فصلت(38)، وفي ص(24) والنجم(62)، وإذا السماء انشقت(21) واقرأ باسم ربك الذي خلق(19).
وذهب المالكية إلى أن عدد السجدات إحدى عشرة، وهم مثل الحنفية إلا في الثلاث الأخيرة: النجم(62)، الانشقاق(21)، العلق(19).
      وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن: السجدات أربع عشرة، منها سجدتان في سورة الحج، في أولها وآخرها(77)، أما سجدة ص فهي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، وتحرم في الصلاة على الأصح وتبطلها.

      7- تتكرر السجدة بتكرر التلاوة؟
      ذهب الحنفية إلى أن: من كرر تلاوة آية سجدة واحدة في مجلس واحد، أجزأته سجدة واحدة، وفعلها بعد الأولى أولى، وقيل: التأخير أحوط، أي أنه يشترط اتحاد الآية والمجلس.
      أما إن كرر آية السجدة في عدة أماكن، أي اختلف المجلس، فيجب تكرار السجود.
      فإن قرأ عدة آيات فيها سجدات مختلفة، فيجب لكل آية سجدة سواء اتحد المجلس أم اختلف.
ويتبدل المجلس بالانتقال منه بثلاث خطوات في الصحراء والطريق، وبالانتقال من غصن شجرة إلى غصن، وبسباحة في نهر أو حوض كبير في الأصح. ولا يتبدل بزوايا البيت الصغير، والمسجد ولو كان كبيراً، ولا بسير سفينة أو سيارة، ولا بركعة وبركعتين، وشربة وأكل لقمتين، ومشي خطوتين، ولا باتكاء وقعود وقيام وركوب ونزول في محل تلاوته، ولا بسير دابته مصلياً.
      ويتكرر الوجوب على السامع بتبديل مجلسه، وإن اتحد مجلس القارىء، فلو كررها راكباً يصلي، وغلامه يمشي، تتكرر على الغلام،لا الراكب، ولا تتكرر على السامع في عكسه وهو تبدل مجلس القارىء دون السامع على المفتى به، ومن تلا آية سجدة، فلم يسجد لها، حتى دخل في الصلاة، فتلاها، وسجد لها، أجزأته السجدة عن التلاوتين.
      وإن تلاها في غير الصلاة، فسجد لها، ثم دخل في الصلاة، فتلاها، سجد لها، ولم تُجزه السجدة الأولى.
وإذا تلا آية سجدة في الصلاة ثم أعادها بعد سلامه، سجد سجدة أخرى. ولا تقضى السجدة التي تتلى في الصلاة خارجها؛ لأن لها مزية، فلا تتأدى بناقص، وعليه التوبة.
      وذهب المالكية إلى أنه: إذا كرر المعلم أو المتعلم آية السجدة، فيسن السجود لكل منهما عند قراءتها أول مرة فقط دفعاً للمشقة. ويسجد إن تجاوز آية السجدة تجاوزاً يسيراً كآية أو آيتين، فإن كان التجاوز كثيراً أعاد آية السجدة وسجد، ولو كانفي صلاة فرض، ولكن لا يسجد في الفرض إذا لم ينحن للركوع.
      وذهب الشافعية إلى أنه: لو كرر آية في مجلسين، أو في مجلس، سجد لكل من المرتين عقبها، والركعة كمجلس واحد، والركعتان كمجلسين. فإن لم يسجد وطال الفصل عرفاً ولو بعذر، لم يسجد أداء؛ لأنه من توابع القراءة.
      وذهب الحنابلة إلى أنه: إذا كرر تلاوة الآية أو استماعها، يسن له تكرار السجود بمقدار ذلك، لتعدد السبب.

    

مشاركة الموضوع

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More