التسميات

الموسيقى الصامتة

Our sponsors

22‏/12‏/2014

طواف الزيارة



طواف الزيارة

      تعريف عام بالطواف:
      الطواف لغة السير حول الشيء. وفي الشرع : السير حول الكعبة المعظمة أشواط.

       والأطوفة المشروعة سبعة هي:
      1- طواف القدوم : للحاج أول وصوله مكة.
      2- طواف الزيارة بعد وقوف عرفة.
      3- طواف الوداع في آخر مناسك الحج.
      4- طواف العمرة.
      5- طواف النذر الذي نذره الإنسان على نفسه فيجب الوفاء به.
      6- طواف تحية المسجد الحرام، لداخل المسجد الحرام فهذا تحيته. فإن لم يطف صلى ركعتين تحية المسجد.
      7- طواف التطوع.

      طواف الزيارة أو طواف الإفاضة:
      وهذا الطواف فرض في الحج، وهو ركن للحج، لذلك يسمى طواف الفرض، ويسمى طواف الركن أيضاً.
      يُؤدَّى بعد أنْ يُفيض الحاج من عرفة ويبيت بالمزدلفة فيأتي منى يوم العيد فيرمي وينحر، ويحلق، ثم بعد ذلك يفيض إلى مكة فيطوف بالبيت، وذلك هو طواف الزيارة، لأنه يأتي من منى فيزور البيت ولا يقيم بمكة، بل يبيت بمنى. ويسمى أيضاً طواف الإفاضة لأنه يفعله عند إفاضته من منى إلى مكة.
      ثبت طواف الزيارة بالكتاب والسنة:
      دليل الكتاب:
      فقوله تعالى : {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29].
      فقد أجمع العلماء على أن ذلك في طواف الإفاضة، فيكون فرضاً بنص القرآن.
      دليل السنة:
      فقد حجت أم المؤمنين صفية مع النبي صلى الله عليه وسلم فحاضت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحابستنا هي ؟" قالوا: قد أفاضت. قال: "فلا إذَنْ" متفق عليه.
      فدل الحديث على أن هذا الطواف فرض لابد منه، ولولا فرضيته لم يمنع مَنْ لم يأتِ به عن السفر.

      شروط طواف الركن:
      وهي أربعة نذكرها فيما يلي :
      أ- أن يكون مسبوقاً بالإحرام وبوقوف عرفة: فلو طاف قبل الوقوف لا يسقط به الفرض.
      ب- أداؤه في الوقت المحدد له شرعاً: ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ وقته موسع، يبتدئ حين يطلع الفجر الثاني من يوم النحر أي العاشر من ذي الحجة، ولا يجوز قبله، فمهما طاف قبل هذا الوقت لا يكفيه عن طواف الركن.
      وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن أول لطواف الإفاضة بعد منتصف ليلة يوم النحر لمن وقف بعرفة قبله.
      - والأفضل عند الحنفية وغيرهم أداؤهيوم النحر الأول بعد الرمي والحلق.
      - آخر زمان طواف الفرض فليس لآخره زمان معين موقت به لأدائه فرضاً بل جميع الأيام والليالي وقته اجماعاً.
      لكن ذهب أبو حنيفة إلى إيجاب أدائه في أيام النحر وهي العاشر والحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة، فلو أخره حتى أداه بعدها صح ووجب عليه دم جزاء تأخيره.
      وذهب المالكية في المشهور إلى أنه لا يلزمه بالتأخير شيء إلا بخروج ذي الحجة، فإذا خرج لزمه دم. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يلزمه شيء بالتأخير أبداً، فوقته عندهم مدى العمر، متى أداه سقط عنه ولا يجب عليه شيء، ولو أخره سنين كثيرة، لكنه يظل محرماً على النساء.
      ملاحظة: ولا يكفي الفداء عن أداء طواف الإفاضة إجماعاً لأنه ركن، وأركان الحج لا يجزئ عنها البدل، ولا يقوم غيرها مقامها، بل يجب الإتيان بها بعينها.
      وثمة شرطان يشملان طواف الإفاضة وغيره :
      ج- النية: والمراد أصل النية.
      ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والمالكية إلى أن قصد مجرد الطواف يكفي، حتى لو نوى الطواف تطوعاً، أو نواه للوداع يقع عن طواف الإفاضة.
      وذهب الحنابلة أنه يجب تعيين طواف الإفاضة في النية.
      د- وقوع الطواف في المكان الخاص وهو حول البيت العتيق داخل المسجد الحرام، وهذا شرط متفق عليه.
      والطواف بالبيت هو الطواف حوله، فيجوز الطواف في المسجد الحرام قريباً من البيت أو بعيداً عنه، مادام ضمن المسجد، ولو طاف من وراء مقام إبراهيم الخليل أجزأه، لأنه قد حصل حول البيت.

       أركان الطواف:
      وهي أركان لطواف الزيارة، ولكل طواف أيضاً.
      أ- ذهب الحنفية إلى أنَّ ركن الطواف مجرد طواف الإنسان حول البيت العدد المطلوب من الأشواط سواء كان بفعله أو بفعل غيره بأن حمله الغير وطاف به، وسواء كان قادراً على الطواف بنفسه فأمر شخصاً أن يحمله في الطواف، أو حمله الآخر بغير أمره، فإن هذا كاف في أداء فرض الطواف وسقوطه عن الذمة، لأن الفرض أن يحصل الإنسان حول البيت، وقد حصل.
      ب- عدد أشواط الطواف.
      وعدد أشواط المطلوبة سبعة إجماعاً.
      وقسم الحنفية السبع إلى ركن وواجب:
      أما العدد الركن فأكثر هذه السبع، وأما الواجب فالأقل الباقي بعد أكثر الطواف.
      وذهب الجمهور إلى أن الفرض سبعة أشواط، لا يجزئ أقل منها أبداً.

      واجبات الطواف:
      وهي ثمانية أمور يجب على الطائف أن يفعلها في كل طواف فرضاً كان أو واجباً أو نفلاً.
      أ- التيامن: أي سير الطائف عن يمين الكعبة، وجعل يسار الطائف بجانب الكعبة.
      ذهب الحنفية أنه لو افتتح الطواف عن يسار الحجر الأسود وطاف منكوساً يعتد به ويصح مع كراهة التحريم، فتجب الإعادة ما دام بمكة، وإن رجع إلى أهله يجب عليه الدم.
      وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن هذا شرط لصحة الطواف، وأن طواف المنكوس باطل.
      ب- إتمام الأشواط إلى سبعة:
      ذهب الحنفية إلى أن الإتيان أكثر السبع هو الفرض، وأما الباقي فواجب.
      وذهب الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة: إلى أنَّ ترك شيء من أي طواف حكمه حكم ترك الطواف كله حتى يكمل ما تركه لأن كل الأشواط ركن عندهم في الطواف.
      وقال الحنفية: لو ترك أكثر أشواط الوداع وهي أربعة لزمه دم، ولو ترك أقل من ذك لزمه لكل شوط صدقة.
      أما طواف القدوم فلا يلزمه دم بترك أكثر أشواطه أو أقلها لأنه سنة، وعليه التوبة والاستغفار، وطواف التطوع كذلك بالأولى.
      ولو طاف ثمانية أشواط مع علمه بذلك يلزمه إتمام سبعة أشواط أخرى، لأنه بالزيادة صار شارعاً بطواف جديد، فيجب عليه إتمامه لأن الشروع ملزم عندهم، ويجب عليه التوبة والاستغفار إن لم يتم.
      ج- الطهارة عن الحدث والجنابة والحيض والنفاس:
      ذهب الحنفية إلى أن الطهارة من الأحداث ليست بشرط ولا فرض في الطواف عند الحنفية بل واجبة. وأما الطهارة عن النجاسة الحقيقية في الثوب والبدن فالأكثر على أنها سنة مؤكدة.
      وذهب الأئمة الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الطهارة من الأنجاس ومن الأحداث كلها شرط لصحة الطواف، إذا طاف فاقداً أحدها فطوافه باطل لا يعتبر به، سواء كان الطواف فرضاً أو واجباً أو سنة.
      وبناء على هذا الخلاف:
      ذهب الحنفية إلى أنَّ طواف المحدث والجنب والحائض والنفساء صحيح مع الإثم ويجب عليه الإعادة أو الجزاء على التفصيل الآتي في الجنايات.
      وذهب الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا عبرة بهذا الطواف وعليه العود لأدائه ويظل مُحرَّماً على النساء حتى يرجع ويؤديه بالنسبة لطواف الزيارة أو العمرة، وإن كان غير ذلك يلزمه ما يلزم تارك ذلك الطواف.
      - من أحدث أثناء الطواف:
      ذهب الحنفية والشافعية إلى أنَّ من أحدث في أثناء الطواف يذهب فيتوضأ ويتمم الأشواط ولا يعيدها. وذهب المالكية في المشهور والحنابلة إلى أنه يعيد الطواف من أوله ولا يبني على الأشواط السابقة.
      د- ستر العورة:
      ذهب الحنفية إلى أن ستر العورة واجب في الطواف.
      وذهب الأئمة الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه شرط في الطواف لا يصح بدونه كما قالوا في الطهارة من الأحداث تماماً.
      فمن أخل بستر العورة في الطواف الإخلال المفسد للصلاة بحسب كل مذهب فسد طوافه وعليه الإعادة.
      هـ- ابتداء الطواف من الحجر الأسود:
      ذهب الحنفية والمالكية إلى أن وجوب ابتداء الطواف من الحجر الأسود، فليزم الدم بترك البداية منه في طواف الركن.
      وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه شرط، فلا يعتد بالشوط الذي لم يبدأ من الحجر الأسود عندهم ويحتسب بالشوط الثاني وما بعده، ويصبح الثاني أول الطواف، لأنه قد حاذى فيه الحجر بجميع بدنه، فإذا أكمل سبعة أشواط غير الأول صح طوافه وإلا لم يصح.
      ولابد عندهم من محاذاة الحجر الأسود بجميع البدن، لأن ما وجب فيه محاذاة البيت وجبت محاذاته بجميع البدن، كالاستقبال في الصلاة.
      و- أن يكون الحِجْرُ داخلاً في طوافه: ويسمى الحَطِيم وهو الموضع المحاط بجدار مقوس تحت الميزاب جهة شمال الكعبة.
      ذهب الحنفية إلى أنه لو طاف بالبيت ولم يطف بالحطيم يجب عليه إعادة الطواف مادام في مكة، وإن رجع إلى بلده بغير إعادة فعليه دم.
      وذهب الجمهور إلى أنه فرض في الطواف، مَن تركه لم يعتد بطوافه، لأنه جزء من الكعبة.
      فمن ترك الطواف بالحِجْر لم يطف بجميع البيت فلا يصح طوافه أبداً، كما لو ترك الطواف ببعض بناء البيت نفسه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف من وراء الحِجْر.
      ز- المشي للقادر عليه:
      مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، أنه لو طاف راكباً مع قدرته على المشي لزمه دم لتركه واجب المشي، إلا إذا أعاده ماشياً.
      وذهب الشافعية إلى أنه سنة، وصرحوا بأنه لو طاف راكباً مع القدرة على المشي جاز بلا كراهية.
      أما إذا كان عاجزاً عن المشي وطاف محمولاً فلا فداء عليه.
      ح- ركعتا الطواف بعد كل سبعة أشواط:
      ذهب الحنفية والمالكية إلى أنهما واجب.
      وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنهما سنة مؤكدة.
      وقال الشافعية والحنابلة: لو صلى الفريضة بعد الطواف أو نافلة أخرى أجزأته عن ركعتي الطواف إذا نواهما معها، ويندب إذا والى بين أكثر من طواف عقبه، ولو قصد كون الركعتين عن الكل كفى بلا كراهة.
      وقال الحنفية: إنَّه يكره وصل الأسابيع، يعنون سبعة أشواط بسبعة أخرى قبل أن يصلي ركعتي الطواف. وإذا طاف أسبوعاً ووصله بآخر فإنْ تذكر قبل إتمام الشوط الأول قطع وصلى ركعتي الطواف، وإن تذكر بعد إتمام الشوط الأول فالأفضل أن يتمم الأسبوع الثاني ثم يصلي لكل أسبوع ركعتين.
      وقال المالكية: الواجب الموالاة بين الطواف وبين ركعتيه لأنهما كالجزء منه حتى أن من أحدث بعده قبل صلاة ركعتيه أعاده عندهم. إلا إذا كان قد خرج من مكة وشق عليه الرجوع لإعادة الطواف، فإنه يصلي الركعتين ويبعث بالهدي فداء عن إعادة الطواف، وذلك إذا كان الطواف واجباً، أما إذا لم يكن واجباً فلا يجب عليه الهدي.
      وذهب غير المالكية إلى أنَّ ركعتي الطواف تؤدان في كل مكان ولو في بلده البعيد، لكن في المسجد الحرام أفضل في أي مكان منه، ومستقبل المقام أفضل. وفي مكة أفضل من غيرها.
      - الاحتراز عن أداء ركعتي الطواف في الأوقات المكروهة:
      ذهب الحنفية إلى أنَّه يجب الاحتراز عن أدائهما في أوقات الكراهة، فلا تنعقد فيها عندهم، وهي: عند شروق الشمس حتى ترتفع، وعند استوائها حتى تزول، والزوال هو وقت الظهر، وعند اصفرارها حتى تغرب. وتنعقد مع الكراهة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تصفر، ووافقهم المالكية في الأوقات الثلاثة الأولى.
      وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم الكراهة.
      ذهب الحنفية والشافعية إلى نية الاضطباع في كل الأشواط.
      وذهب الحنابلة إلى استخباية.
      وذهب المالكية إلى عدم رؤيته سنة ولا مستحباً.

       سنن الطواف:
      أ- الاضطباع: ومعناه أنه عند الشروع في الطواف يجعل وسط الرداء تحت إبطه اليمنى ويرد طرفيه على كتفه اليسرى، ويُبْقي كتفه اليمنى مكشوفة.
      ويسن الاضطباع للرجال دون النساء في كل طواف بعده سعي، كطواف القدوم لمن أراد أن يسعى بعده وطواف العمرة وكطواف الزيارة إن أخَّر السعي إليه.
      وهو سنة في كل أشواط الطواف. وهذا عند الحنفية والشافعية، وصرح الحنابلة باستحبابه. ولم يره المالكية سنة ولا مستحباً.
      عن يعلى بن أمية : "أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف مُضْطَبِعاً" رواه الترمذي. وقال : "حديث حسن صحيح".
      والاضطباع سنة في جميع أشواط الطواف، فإذا فرغ من الطواف ترك الاضطباع، حتى أنه تكره صلاة الطواف مضطبعاً، وهذا أمر مهم ينبغي تنبيه الناس إليه، فإن العامة كثيراً ما يغترون فيواصلون الاضطباع، ويتعرضون لضرر أشعة الشمس فيما لا ثواب فيه.
      ب- الرمل ثلاثة أشواط كاملة، ثم يمشي أربعة، والرمل معناه إسراع المشي مع تقارب الخطا وهز الكتفين من غير وثب، والرمل يُسَنُّ في كل طواف بعده سعي كالاضبطاع، باتفاق الأئمة الأربعة.
      وكان ابتداء الرمل في عمرة القضاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "قدمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مكةَ وقد وهنتهم حمّى يَثْرِبَ، فقال المشركون : إنه يقدم عليكم قومٌ قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شراً، فأَطْلَعَ اللهُ نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوه، فأمرهم أنْيرمُلوا الأشواطَ الثلاثةَ وأنْ يمشوا ما بين الركنين، فلما رأوهم رملوا قالوا : هؤلاءِ الذينَ ذَكَرْتُم أنّ الحُمّى قدْ وَهَنَتْهُمْ، هؤلاء أجْلَدُ مِنْا ..." رواه البخاري ومسلم.
      لكن الرّمَلَ ظل في الأشواط الثلاثة بتمامها، فقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجته، وكانت بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً.
      ملاحظة: ثم الرمل والاضطباع سنة في حق الرجال، أما النساء فلا يُسَنُّ لهن رمل ولا اضطباع.
      ج- ابتداء الطواف من جهة الركن اليماني قريباً من الحَجَر الأسود، ثم يستقبل الحَجر مهللاً رافعاً يديه، وذلك ليتحقق ابتداء الطواف من الحجر الأسود.
      ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ المرور بجميع البدن على الحجر الأسود ليس واجباً.
      وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه شرط واجب.
      ولكن صرح المحققون في المذهب الحنفي باستحباب هذه الكيفية خروجاً من الخلاف.
      فلو استقبل الحجر مطلقاً ونوى الطواف كفى في حصول المقصود الذي هو الابتداء من الحجر عند الحنفية والمالكية. ولابد أن يمر بجميع بدنه بالحجر الأسود عند الشافعية والحنابلة.
      أما استقبال الحجر عند ابتداء الطواف فهو سنة عند الحنفية.
      د- استلام الحجر وتقبيله في ابتداء الطواف وفي كل شوط، وبعد ركعتي الطواف وصفة الاستلام: أن يضع كفيه على الحجر، ويضع فمه بين كفيه ويقبله.
      عن ابن عمر أن عمر رضي الله عنه قَبَّل الحجر وقال : "إني لأعلم أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبلتك" متفق عليه.
      وعن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طَوْفَةٍ. وكان ابن عمر يفعله" رواه أبو داود والنسائي.
      والتحقيق أنه يستحب أنْ يسجدَ على الحَجَر، لما أخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد على الحجر".
      أما إذا كان في الطواف زحام فالأولى أن يترك إيذاء الناس في سبيل تقبيل الحجر الأسود، ويمسه بيده ثم يقبلها، أو يمس الحجر بشيء في يده كالعصا مثلاً ثم يقبله.
      وإن لم يستطع أن يستلم الحجر بيده أو يمسه بشيء فإنه يستقبله من بُعْدٍ ويشير إليه بباطن كفيه كأنه واضعهما عليه، ويهلل ويكبر.
      وذلك لأن تقبيل الحجر سنة، وترك إيذاء الناس واجب، فلا يهمل الواجب لأجل السنة.
      عن أبي الطُّفَيْل قال : "رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يطوفُ بالبيت ويستلمُ الرُّكْن بِمحْجن معه وَيُقبِّل المحجن" رواه مسلم.
      وعن ابن عباس قال : "طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبر" رواه البخاري.
      هـ- استلام الركن اليماني، بوضع اليدين عليه، وهو الركن الواقع قبل ركن الحجر الأسود.
      ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى سنية استلام الركن اليماني. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : "ما تركْتُ استلام هذين الركنين : اليماني والحجر الأسودِ مُذْ رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُهُما" رواه مسلم.
      واتفقت المذاهب على أنه لا يقبله، ولا يسجد عليه.
      وذهب الحنفية إلى أنه لا يقبل يديه أو يمينه بعد ما استلم الركن اليماني، ولا يشير إليه عند العجز عن الاستلام باليدين.
      وذهب المالكية إلى إن لم يستطع لمس الركن بيده كبر ومضى.
      وذهب الشافعية إلى أنه لا يقبل الركن اليماني ولكن يقبل ما استلم به الركن اليماني بعد الاستلام ويشير إليه عند العجز عن الوصول إليه.
      وذهب الحنبلية: إلى أنَّه يشير إليه عند العجز.
      أما غير هذين الركنين فلا يسن استلامه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلم هذين الركنين ولا يستلم غيرهما :
      عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : "لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلمُ مِنَ البيت إلا الركنين اليمانيين" متفق عليه.
      و- أن يكون الطائف قريباً من البيت، أما النساء فيُسن لهن أن لا يقربن البيت حال طواف الرجال خشية مخالطتهم.
      نص على هذه السنة الشافعية، وعللوها بأنها : "لشرف البيت، ولأنه أيسر في الاستلام والتقبيل". وجعله المالكية مستحباً قياساً لصفوف الطواف على صفوف الصلاة.
      وسنية اقتراب الرجال من البيت، وابتعاد النساء حال خوف الاختلاط سنة هامة تحول دون تسبب انشغال الفكر وتشويش الطائفين. فلو فات الرمل بمراعاة القرب من البيت، فالرمل مع البعد أولى، إلا إذا كان الزحام شديداً وخاف صدم النساء لو أبعد، فالقرب حينئذ مع ترك الرمل أولى.
      ز- أن يوالي أشواط طوافه، ولا يفصل بينها: ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنبلية إلى أن الموالاة بين الأشواط وأجزاء الطواف سنة.
      ودليل سنيتها مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك كما هو ظاهر لمن تأمل أحاديث الطواف التي ذكرناها قبل.
      وذهب المالكية إلى وجوب المولاة وأوجبوا على تاركه الدم، استدلالاً بفعله صلى الله عليه وسلم، واستدلوا أيضاً بالقياس على الصلاة لحديث : "الطواف صلاة".
      لكن اتفق الجمهور على أنه لو أقيمت الصلاة المكتوبة فإنه يُسن له أن يقطع الطواف ليدرك الجماعة.
      وقال المالكية إنه يجب عليه قطع الطواف، فإذا انتهى من الصلاة أتم الأشواط السابقة، ولا حاجة لإعادتها.



الوقوف بعَرَفَةَ







الوقوف بعَرَفَةَ:

عَرَفَةُ، وعرفاتٌ: بقعة أرض منبسطة تقع شرقيّ مكة على بعد (25 كيلو متراً) تقريباً.
والمراد من عبارة : "الوقوف بعرفة" المكث بهما كيفما كان. سمي وقوفاً لكون الوقوف بها مستحباً للدعاء.
دليل فرضيته : ركنية الوقوف بعرفة ثابتة بالكتاب والاجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى :
      {وللهِ على الناسِ حجُّ البيتِ مَنِ اسْتطاعَ إليه سبيلا}.
وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "الحج عرفة". وهذا تفسير للأمر القرآني بالحج.
            وقال تعالى : {ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة : 199].
      عن عائشة رضي الله عنها قالت : "كانت قريشٌ ومَنْ دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، وسائرُ العربِ يقفون بعرفاتٍ، فلما جاء الإسلام أمرَ اللهُ نبيهُ أنْ يأتيَ عرفاتٍ ثم يقفَ بها ثم يُفِيْضَ منها. فذلك قوله : "ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حيثُ أفاضَ النّاس". أخرجه البخاري.
      وأما السنة : فعن عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي أنّ أناساً مِنْ أهلِ نجدٍ أتوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فسألوه فأمرَ منادياً يُنادي : "الحجُّ عرفةُ، مَنْ جاءَ ليلة جمْعٍ قبل طلوعِ لفجرِ فقد أدرك الحج. أيامُ مِنَىً ثلاثةٌ، فمن تعجل في يومين فلا إثْمَ عليه، ومَن تأخّر فلا إثمَ عليه". أخرجه أحمد وأصحاب السنن والحاكم وابن حبان.
      وعن عُرْوَةَ بن مُضَرِّس الطائي قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمُزْدَلِفَة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسولَ الله إني جئتُ مِن جبلِ طّيءٍ أكلَلْتُ راحِلَتي، وأتعبْتُ نفسي، واللهِ ما تركتُ من جبلٍ إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حَجٍّ ؟" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ شَهِدَ صلاتَنا هذه ووقَفَ معنا حتى يَدْفَعَ، وقد وقَفَ بعرفةَ قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجُّه وقضى تَفَثَه". أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي والحاكم.
      وأما الإجماع : "فالأمة أجمعت على كون الوقوف ركناً في الحج".شروط 

الوقوف بعرفة :
      أ) مكان الوقوف :
      عرفة كلها موقف، يصح أداء الركن في أي موضع منها إلا بطن وادي عُرَنَة.
      وحدود عرفة: من الجبل المشرف على وادي عرنة إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي منطقة البساتين المعروفة قديماً ببساتين بني عامر، ومسجد نمرة بعضُه ليس من عرفة فليتنبه.
      وليس وادي عُرَنَة من الموقف، ولا يصح الوقوف فيه باتفاق أئمة المذاهب.
      عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
      "قد وَقَفْتُ ههنا بِعَرَفَة، وعَرَفَة كلَّها مَوْقِف". أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه.
      وعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كُلُّ عَرَفَة موقفٌ وارْفَعوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَة". أخرجه ابن ماجه ومثله عن ابن عباس صححه الحاكم على شرط مسلم.
      ب- وقت الوقوف :
      ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه يبدأ وقت الوقوف بعرفة من زوال الشمس يوم عرفة - وهو تاسع ذي الحجة ويمتد إلى طلوع الفجر الصادق يوم عيد النحر، حتى لو وقف بعرفة في غير هذا الوقت كان وقوفه وعدم وقوفه سواء.
      وذهب مالك إلى أن وقت الوقوف هو الليل، فمن لم يقف جزءاً من الليل لم يجز وقوفه وعليه الحج من قابل، وأما الوقوف نهاراً فواجب ينجبر بالدم بتركه عمداً لغير عذر.
      وذهب الحنابلة إلى أن وقت الوقوف من طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر.
      وقد اتفق العلماء على أن آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر.

  ركن الوقوف:
      أ) ركن الوقوف الذي لا يتم إلا به هو الكينونة بعرفة وقتاً يسيراً جداً.
      وقد اتفق الفقهاء على أنه كيفما حصلت كينونته بعرفة في الوقت المحدد أجزأه، قائماً أو جالساً، راكباً أو ماشياً، وسواء كان عالماً بها أو جاهلاً، نائماً أو يقظان، وقف بها أو مرّ وهو يمشي، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : "وقَد وقَفَ بعرفةَ قبلَ ذلك ليلاً أو نهاراً .. " وغيره من الأحاديث.

      ب- مقدار الزمن الذي يستغرقه الوقوف:
            ذهب الحنفية والحنبلية إلى أنه نوعان:
            1) زمان الركن : الذي تتأدى به فريضة الوقوف بعرفة، وهو أن يوجد في عرفة خلال المدة التي بيناها، ولو زماناً قليلاً جداً.
      2) زمان الواجب: ذهب الجمهور إلى أن زمان الواجب يستمر من وقف بعد الزوال إلى أن تغرب الشمس، فلا يجاوز حد عرفة إلا بعد الغروب ولو بلحظة. يعني أن يجمع بين الليل والنهار بعرفة ولو قبل المغرب بقليل إلى ما بعده بلحظة. فلو فارق عرفة قبل الغروب وجب عليه دم.
      وذهب الشافعية في المعتمد عندهم أن الجمع بين الليل والنهار بعرفة سنة وليس بواجب، ولا يجب على من تركه الفداء، لكنه يستحب له الفداء استحباباً وخروجاً من الخلاف.

      ج- ويتفرع على هذا مسائل منها :
            1) ذهب الحنفية إلى أن من دفع من عرفة قبل الغروب أي خرج منها، فجاوز حدودها قبل الغروب فعليه دم وذهب الشافعية إلى استحباب الدم.
      وذهب مالك إلى بطلان الحج.
      2) من دفع قبل الغروب ثم عاد قبل الغروب أيضاً واستمر حتى غربت الشمس صح حجه، وسقط عنه الدم اتفاقاً بين جميع الأئمة.
      3) من دفع قبل الغروب ثم عاد بعد الغروب لا يسقط عنه الدم بالعود، عند الحنفية والحنابلة.
      4) ذهب الجمهور إلى أنَّ من تأخر فوقف ليلاً ولم يدرك جزءاً من النهار بعرفة حتى غابت الشمس فحجه تام ولا شيء عليه.
      وذهب المالكية إلى وجوب الدم عليه.
      5) يصح الوقوف من المحدث والجنب والحائض والنفساء، فلا يشترط فيه الطهارة اتفاقاً، لأن أحاديث إجزاء الوقوف مطلقة عن اشتراط الطهارة، فتدل على عدم اشتراطها.
      ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حاضت: "افعلي ما يفعلُ غيرَ أنْ لا تطوفي بالبيتِ حتى تَطْهُري" متفق عليه.
      6) ذهب الحنفية والمالكية إلى أن من أُدْخِلَ عرفة وهو مغمىً عليه ولم يُفِقْ حتى خرج منها فقد أجزَأَه، لأنه لا يشترط له نية ولا طهارة، وقد صح من النائم فينبغي أن يصح من المغمى عليه. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجزئه لأنه ركن من أركان الحج فلا يصح من المغمى عليه.

      سنن الوقوف بعرفة :
      أ- ذهب الحنفية والشافعية إلى استحباب الطهارة من الأحداث بأن يظل على وضوء مدة الوقوف، أما الغُسل من أجل الوقوف بعرفة.
      ب- أن يجمع الحاج صلاة الظهر والعصر، تقديماً في وقت الظهر بأذان وإقامتين مع الإمام بعد خطبة عرفة، وذلك لاتباع السنة.
      ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن هذا الجمع ليس من سنن الحج ومناسكه، بل من قبيل الجمع في السفر. ومذهب الحنفية أنه من مناسك الحج المسنونة، ومن هنا اشترطوا لجواز هذا الجمع أن تؤدي الصلاتان على الهيئة التي وردت بها السنة، وذلك بتوفر شرطي الإمام والإحرام فيهما، والمراد بالإمام ولي الأمر أو نائبه.
      فلو لم يصلهما مع الإمام صلى كل صلاة في وقتها ولو جماعة، ولا يجمع بينهما.
      وفي رواية عند الحنفية يجوز الجمع للمنفرد، ولمن صلوا جماعة بإمام غير ولي الأمر أو نائبه، لأن الجمع ثبت لأجل امتداد الوقوف إلى المغرب دون أي فاصل، وكل الناس سواء في الحاجة لذلك، فيسوغ لهم الجمع.
      وأما القصر فهو من أحكام السفر، فمن كان مكياً أو قدم مكة للمكث بها مدة الإقامة الشرعية لا يجوز له قصر الصلاة إطلاقاً.
      ج- التعجيل بالوقوف بعد ذلك لأن هذا اليوم من أفضل أيام الدنيا، يتنافس فيه المتنافسون.

            د- أن يقف قرب جبل الرحمة عند الصخرات الكبار السود المفروشة أسفل الجبل، فذلك وصف مكان وقوفه صلى الله وسلم. أما الصعود على جبل الرحمة فليس بسنة، إنما هو من عمل العوام، فتنبه.
      وصرح الشافعية بأن النساء يقفن في حواشي الموقف، لما فيه من المحافظة عليهن من أخطار الزحام والضياع.

      هـ استقبال القبلة، اقتداء بفعله صلى الله عليه وسلم.

      و- الإكثار من الدعاء والاستغفار والتهليل، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتلبية، بقلب حاضر خاشع غاية الخشوع لله تعالى، فإن الله يطلع على عباده في الموقف

محرمات الإحرام




محرمات الإحرام :

      محرمات الإحرام كثيرة متعددة، تنقسم إلى الأنواع التالية :
      النوع الأول : المحرمات من اللباس.
      النوع الثاني : المحرمات المتعلقة ببدن المحرم.
      النوع الثالث : الصيد وما يتعلق به.
      النوع الرابع : الجماع ودواعيه.
      النوع الخامس : الفسوق والجدال.
      النوع الأول : المحرمات من اللباس :
      يختلف تحريم الملبس في حق الرجال عن تحريم الملبس في حق النساء :
      أ- إحرام الرجل في حق الملبس :
      يلبس الرجل للإحرام إزاراً "مئزراً" ورداء "يلف على نصفه العلوي". وَيَحْرُم عليه ما تضمنه الحديث الصحيح : عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلاً سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يلبس المحرم من الثياب ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا تلبسوا القُمُصَ، ولا العمائمَ، ولا السَّراويلاتِ، ولا البَرَانِسَ، ولا الخِفافَ، إلا أحدٌ لا يجدُ النَّعلين فَلْيَلْبِس الخفين وَلْيَقْطَعْهُما أسفَل من الكعبين، ولا تلبِسوا من الثياب شيئاً مسَّه الزعفرانُ ولا الوَرْس". متفق عليه.
      والمقصد من تحريم هذه الثياب الامتناع عن لبس المخيط او المحيط لبساً معتاداً، فلو وضع القميص على جسمه بوضع غير معتاد كانْ يلفّ به جسمه لا يكون ممنوعاً. وكذا لو لف قماشاً على بعض جسمه غير معتاد لم يمنع. ولو ترك لبس الرداء وظل أعلاه فوق السرة عارياً لم يمنع.
      وهذا بيان هام لحكم ربط الرداء والإزار :
      مذهب الحنفية : يكره للمحرم أن يربط طرفي الإزار أو يشد عليه رباطاً أو يشبكه بدبوس أو زر، لكن لا يجب عليه شيء لو فعل ذلك، وكذلك الرداء عندهم.
      فذهب الشافعية والحنبلية: فإنهم فرقوا بين الإزار والرداء، فأجاز الشافعية للمحرم أن أن يعقد الإزار ويشد عليه خيطا ليثبت، وأن يجعل له مثل الحُجْزة ويدخل فيها التكة إحكاماً، أو يزرّه بالزر، أو بأزرار متباعدة، وأن يغرز طرف ردائه في إزاره، ولا يجوز له أن يثبِّت الإزار بشوكة، أو إبرة، أو دبوس. ولا يجوز عقد الرداء ولا خله بخلال أو مسلة (كالدبوس والإبرة) ولا ربط طرفه إلى طرفه بخيط أو نحوه، فإن فعل شيئاً مما ذكرنا حظره لزمته الفدية.
      وقال الحنابلية: "له أنْ يعقد إزاره، وأنْ يشدّ وسطه بحبل ولا يعقده لكنه يدخل بعضه في بعض، ولا يجوز له عقد ردائهن ولا أن يزره عليه ولا يخله بشوكة ولا غيرها (كالإبرة والدبوس)، ولا يغرز طرفيه في إزاره.
      ومذهب المالكية: فقد أوجبوا الفدية في ذلك كله سواء كان في الإزار أو الرداء.
      والنهي عن العمامة يشمل كل شيء يوضع على الرأس لتغطيته، أما إذا ظلل رأسه بشيء لا يلامس الرأس كالمظلة فلا بأس به.
      ومثل العمامة ستر الوجه عند الأئمة الثلاثة، خلافاً للشافعية فلم يحرموه على المحرم.
      والنهي عن ثوب الزعفران يندرج تحته كل ثوب مسه طيب فلا يجوز لبسه.
      وإذا كان لبس الخفين ممنوعاً، فالمنع للقفازين من باب أولى، لأن الحاجة للخف أعظم والرفاهية في القفاز ظاهرة جداً.
      وقطع الخف أسفل من الكعبين: فسره الحنفية بالعظم الناتئ وسط ظاهر القدم.
      وفسره بقية الفقهاء بالكعبين في جانبي القدم اللذين هما حد الغسل في الوضوء.
      ونصوا على إباحة وضع الخاتم، لأنه لا يعتبر لبساً، ولعل أن يلتحق به وضع الساعة في اليد الآن، لأنه لا يعتبر لبساً أيضاً، ولأن الحاجة لذلك ماسة أكثر من الخاتم.
      ب- إحرام المرأة في الملبس :
      ذهب الحنفية والشافعية إلى أنَّ المرأة إحرامها بكشف وجهها فقط فيحل لها لبس المخيط والقفاز وتغطية الرأس.
      وذهب مالك وأحمد وهو الأظهر المعتمد في مذهب الشافعية إلى أنه يحرم عليها ما نص عليه حديث ابن عمر السابق فقد رواه البخاري بزيادة : "ولا تَنْتَقِبُ المرأةُ، ولا تَلْبَسُ القُفَّازَيْن".
      لكن إذا سترت وجهها بساتر لا يمسه لا يحرم، وهكذا تصنع الكثيرات فيجعلن في جبهتهن إطاراً عريضاً ينزل الحجاب فوقه فيحجب الوجه ولا يمسه.
      وأجاز الحنابلة أن تستر المحرِمة وجهها بثوب تلقيه عليه من فوق رأسها على وجهها إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها، فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها بأن يلقى الثوب إلقاء في هذا الحال فقط.
      ولابأس أن تلبس المرأة المحرمة الذهب والحرير وتتحلى بالحلي عند عامة العلماء، لكن يحرم عليها إظهار الزينة أمام الأجنبي في الإحرام وغيره، ولا يكون الحج مبروراً.
      النوع الثاني : المحرمات المتعلقة ببدن المحرم :
      وهي كل شيء يرجع إلى تطييب الجسم، أو إزالة الشَّعَثِ، أو قضاء التَّفَث، والأصل في هذا النوع قوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196].
      فتحرم بالإحرام الأشياء الآتية :
      أ- حلق الرأس بنفسه أو بواسطة غيره محرماً كان أو حلالاً، عملاً بنص الآية. وكذا حلقُ المحرم رأسَ محرم آخر، وذلك ما لم يفرغ الحالق والمحلوق من أداء نسكهما ويصبح الحلق حلالاً لهما، فعندئذ لا يدخلان في الحظر ويجوز لهما أن يحلقا لبعضهما باتفاق المذاهب.
      ب- إزالة الشعر من أي موضع من الجسم قياساً على شعر الرأس، ولو شعرة واحدة.
      ج- إزالة الظفر بالتقليم أو غيره قياساً على الشعر بجامع الترفه في الجميع.
      د- الطيب:
      1) يحرم استعمال الطيب في ثوبه أو بدنه ولو كان للتداوي اتفاقاً.
      فعلى المحرمين أن يجتنبوا أنواع الصابون المطيب، والصابون المستورد من الخارج الذي له رائحة عطرية، كما يجب عليهم الاحتياط عند شرائهم شيئاً من الطبيب والامتناع من النوم على شيء مطيب.
      2) أما شم الطيب فقط دون مس.
      فذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى كراهة ذلك، ولا فداء فيه عندهم.
      وذهب الحنبلية إلى أنه يحرم تعمد شم الطيب كالمسك والكافور ويجب فيه الفداء، ويجوزشم الفواكه وكل نبات صحراوي كالشِّيح والقَيْصوم ...
      3) وأما أكل الطيب الخالص أو شربه فلا يحل للمحرم اتفاقاً في المذاهب الأربعة.
      4) أما إذا خلطه بطعام قبل الطبخ وطبخه معه فلا شيء عليه قليلاً كان أو كثيراً عند الحنفية والمالكية. وكذا عند الحنفية لو خلطه بطعام مطبوخ بعد طبخه. أما إذا خلطه بطعام غير مطبوخ فإن كان الطعام أكثر فلا شيء ولو وجدت الرائحة، غير أنه إذا وجدت معه الرائحة يكره، وإن كان الطيب أكثر وجب فيه الدم وإن لم تظهر رائحته.
      أما عند المالكية فالكل محظور وفيه الفداء عندهم.
      وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه خلط الطيب بمشروب كماء الورد وغيره وجب فيه الجزاء قليلاً كان الطيب أو كثيراً.
      وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه خلط الطيب بغيره من طعام أو شراب ولم يظهر له ريح ولا طعم فلا حرمة ولا فدية، وإلا فهو حرام وفيه الفدية.
      5) أما أكل الفواكه ذات الرائحة الطيبة كالتفاح والسفرجل والنارنج والليمون وغيرها فهو جائز عند الجميع. والله أعلم.
      هـ- ذهب الحنفية والمالكية إلى تحريم دهن شعر الرأس أو أي شعر في الجسم بدهن ولو كان غير مطيب كالزيت مثلاً، لما فيه من التزيين والتحسين للشعر، وذلك ينافي الشأن الذي يجب أن يكون عليه المحرم من الشعث والغبار افتقاراً وتذللاً لله تعالى.
      وذهب الشافعية إلى عدم تحريم دهن شعر البدن بدهن ليس بطيب إلا في الرأس واللحية فيحرم الدهن الذي ليس بطيب في الرأس واللحية ولو كان حليقاً، فليحذر المحرم أن ينتقل إليهما شيء من السمن أو الدهن أو الزيت بواسطة يده أو بغير ذلك.
      وذهب الحنابلة إلى إباحة الدهن غير المطيب للمحرم في رأسه ولحيته وسائر بدنه.
      وثمة أمور يظنها الناس ممنوعة على المحرم وليست ممنوعة مثل : الاغتسال وحك الرأس أو البدن، لكي ينبغي أن يترفق حتى لا يسقط شيء من شعره فتلزمه فديته. وكذا الاكتحال إذا كان غير مطيب.
      النوع الثالث : الصيد :
      أ- الصيد هو المستوحش النافر من الناس في أصل خلقته، أما المستأنس في أصل الخلقة فليس بصيد. فلا يحرم على المحرم ذبح المواشي والدجاج لأنها مستأنسة.
      والأصل في حرمة الصيد قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمُُ} [المائدة : 95]. يعني لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون.
      وقوله تعالى : {وَحُرِّمَ عَلَيكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُم حُرُماً} [المائدة : 96].
      ويحرم الصيد أيّاً كان نوع الحيوان، ولو كان غير مأكول اللحم، ويحرم مساعدة من يريد الصيد أيضاً بأي وجه من الوجوه : كالدلالة عليه، وإعارة سكين، ومناولة سوط، وكذا تنفير الصيد، وكسر بيضه، وكسر قوائمه وجناحه، وحلبه، وبيعه، وشرؤاه، يحرم ذلك على المحرم سواء كان ذلك في داخل الحرم أو خارجه، وأباح الشافعية غير مأكول اللحم وكرهه الحنبلية.
      ويحرم على المحرم أكل صيد البر الذي صاده محرم آخر، أو ساعد فيه حلالاً، أو صاده لأجله حلال أيضاً.
      ب- جواز قتل الدواب الفواسق:
      وقد نصوا على جواز قتل خمسة من الحيوانات للحلال والحرام في الحِلِّ والحرم أخذاً بالحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
      "خمسٌ مِن الدوابِّ كُلُهُنَّ فاسقٌ يُقْتَلْن في الحرم: الغرابُ، والحِدَأَةُ، والعَقْرَبُ، والفأرةُ، والكلبُ العَقُور". متفق عليه.
      وفي رواية عند مسلم ذكر : "الحية" ولم يذكر "العقرب".
      ووقع عند أبي داود بزيادة : "السبع العادي" يعني الحيوان المفترس.
      وقد اتفقوا على إباحة قتل هذه المذكورات جميعاً.
      النوع الرابع : الجماع ودواعيه :
      والأصل في هذا النوع قوله تعالى :
      {فَمَنْ فَرَضَ فيهنَّ الحجَّ فلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحجّ} [البقرة: 197].
      الرَّفَث محركة الجِماع وغيره مما يكون بين الرجل وامرأته من التقبيل والمغازلة ونحوهما مما يكون في حالة الجماع، وهو أيضاً الفحش وكلام النساء في الجماع، أو ما وُوِجهْن به من الفحش.
      فيندرج تحت هذا النوع المسائل التالية:
      أ) تحريم الجماع على المحرم، وقد أجمع على ذلك العلماء عملاً بالآية، وأجمعوا على أن الجماع مفسد للحج.
      ب) يحرم على المحرم أيضاً جميع دواعي الجماع كاللمس بشهوة والتقبيل.
      ج) الكلام الفاضح في المسائل الجنسية محظور على المحرم أيضاً لأنه من دواعي الجماع، فيكون محظوراً عليه.
      ومثل هذا الكلام مستقبح، مخل بالمروءة، فكيف وهو في الإحرام !!
      النوع الخامس : الفسوق والجدال:
      الفسوق: هو الخروج عن الطاعة، وذلك حرام في كل حال، فما أشنعه إذا صدر عن المحرم.. ؟!
      والجدال : أن يجادل رفيقه حتى يغضبه، وكذلك المنازعة والسباب.

      فليشتغل المحرم بالتلبية، وذكر الله تعالى، أو قراءة القرآن، أو تعليمٍ لجاهل، أو أمرٍ بمعروف، أو نهي عن منكر.

مشاركة الموضوع

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More