التسميات

الموسيقى الصامتة

Our sponsors

20‏/12‏/2014

إخراج الزكاة







   إخراج الزكاة:
  • - تعجيل الزكاة عن وقت الوجوب.
  • تأخير إخراج الزكاة عن وقت وجوبها.
  • - حكم من ترك إخراج الزكاة حتى مات.
  • تراكم الزكاة لسنين.
  • - حكم من شك هل أدى الزكاة أم لم يؤدها.
  • - صورة إخراج الزكاة.
  • - الإخراج بإسقاط المزكي دينه عن مستحق الزكاة.
  • - احتساب المكس ونحوه عن الزكاة.
  • - ما ينبقي لمخرج الزكاة مراعاته في الإخراج.
  • - اختيار المزكي من يعطيه الزكاة:
  • التوكيل في أداء الزكاة.
  • - تلف المال كله أو بعضه بعد وجوب الزكاة.
  • - تلف الزكاة بعد عزلها.

من وجبت عليه الزكاة إما أن يخرجها بإعطائها مباشرة إلى الفقراء وسائر المستحقين، وإما أن يدفعها إلى الإمام ليصرفها في مصارفها.
        الزكاة فريضة من فرائض العبادات، كالصلاة، ولذلك فإن النية شرط فيها عند عامة العلماء ولأن إخراج المال لله يكون فرضاً ويكون نفلاً، فافتقرت الفريضة إلى النية لتمييزها عن النفل.
        ومعنى النية: المشترطة في الزكاة أن يقصد بقلبه أن ما يخرجه هو الزكاة الواجبة عليه في ماله، وإن كان يخرج عمن تحت يده من صبي أو مجنون أن يقصد أنها الزكاة الواجبة عليهما. ويعتبر أن يكون الناوي مكلفاً، لأنها فريضة.
        وينوي عند دفعها إلى الإمام أو إلى مستحقها، أو قبل الدفع بقليل.
        فإن نوى بعد الدفع لم يجزئه على ما صرح به المالكية والشافعية.
        أما عند الحنفية فالشرط مقارنة النية للأداء ولو حكماً، كما لو دفع بلا نية ثم نوى والمال لا يزال قائماً في ملك الفقير بخلاف ما إذا نوى بعدما استهلكه الفقير او باعه فلا تجزئ عن الزكاة.
        وذهب الحنفية والمالكية والشافعية: إن عزل الزكاة عن ماله ونوى عند العزل أنها زكاة كفى ذلك، ولو لم ينو عند الدفع، لأن الدفع يتفرق، فيتحرج باستحضار النية عند كل دفع، فاكتفي بذلك، للحرج.
        وإن دفع الزكاة إلى وكيله ناوياً أنها زكاة كفى لك، والأفضل أن ينوي الوكيل أيضاً عند الدفع إلى المستحقين أيضاً ولا تكفي نية الوكيل وحده.
        ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لو دفع الإنسان كل ماله إلى الفقراء تطوعاً بعدما وجبت فيه الزكاة لم تسقط عنه الزكاة، بل تبقى في ذمته، لأنه لم ينو الفرض.
        وذهب الحنفية: إلى أنه تسقط عنه الزكاة في هذه الحال استحساناً لأنه لما أدى الكل زالت المزاحمة بين الجزء المؤدى وسائر الأجزاء، وبأداء الكل لله تعالى تحقق أداء الجزء الواجب.
        ولا يجب تعيين المال المخرج عنه، لكن لو عينه تعين.
        فلو أخرج الزكاة ونوى عن ماله الغائب الذي لا يعلم سلامته جاز، لأن الأصل بقاؤه ثم إن تبينت سلامته أجزأه، وإن تبين تلفه لم يجز أن يصرف الزكاة إلى مال آخر، وإن نوى عن مالي الغائب أو الحاضر، فتبين تلف الغائب أجزأت عن الحاضر، وإن نوى بالمخرج أن يكون زكاة المال الموروث الذي يشك في موت مورثه لم تجزئه، لأنه متردد والأصل عدم الموت.
        ولا يشترط علم آخذ الزكاة أنها زكاة.

        تعجيل الزكاة عن وقت الوجوب:
        ذهب جمهور الفقهاء ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة، إلى أنه يجوز للمزكي تعجيل إخراج زكاة ماله قبل ميعاد وجوبها، لما ورد "أن العباس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك" رواه الترمذي. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: "إنا قد إخذنا زكاة العباس عام الأول للعام" رواه الترمذي.
        وذهب الشافعية إلى أنه: يجوز التعجيل لعام واحد ولا يجوز لعامين في الأصح لأن زكاة العام الثاني لم ينعقد حولها.
        واشترطوا لجواز ذلك أن يكون النصاب موجوداً، فلا يجوز تعجيل الزكاة قبل وجود النصاب، بغير خلاف، وذلك لأن النصاب سبب وجوب الزكاة، والحول شرطها ولا يقدم الواجب قبل سببه، ويجوز تقديمه قبل شرطه، كإخراج كفارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث، وكفارة القتل بعد الجرح وقبل الزهوق.
        وذهب الحنفية إلى أنه: إن كان مالكاً لنصاب واحد جاز أن يعجل زكاة نصب كثيرة لأن اللاحق تابع للحاصل.
        وذهب الشافعية إلى إجازة ذلك في مال التجارة لأن النصاب فيها عندهم مشترط في آخر الحول فقط لا في أوله ولا في أثنائه.
        وقال الحنابلة: إن ملك نصاباً فقدم زكاته وزكاة ما قد يستفيده بعد ذلك فلا يجزئه عندهم.
        وقال الحنفية، وهو المعتمد عند الشافعية: إن قدم زكاته وزكاة ما قد ينتج منه، أو يربحه منه، أجزأه لأنه تابع لما هو مالكه الآن.
        وذهب المالكية إلى أنه إن أخرج زكاة الثمار أو الزروع قبل الوجوب، بأن دفع الزكاة من غيرها لم يصح ولم تجزئ عنه. وكذا لا تجزئ زكاة الماشية إن قدمها وكان هناك ساع يأتي لقبضها فأخرجها قبل قدومه. أما زكاة العين والماشية التي ليس لها ساع فيجوز تقديمها في حدود شهر واحد لا أكثر، وهذا على سبيل الرخصة، وهو مع ذلك مكروه والأصل عدم الإجزاء لأنها عبادة موقوتة بالحول.

        تأخير إخراج الزكاة عن وقت وجوبها:
        ذهب جمهور العلماء (الشافعية والحنابلة) إلى أن الزكاة متى وجبت، وجبت المبادرة بإخراجها على الفور، مع القدرة على ذلك وعدم الخشية من ضرر.
        واحتجوا بأن الله تعالى أمر بإيتاء الزكاة، ومتى تحقق وجوبها توجه الأمر على المكلف بها، والأمر المطلق يقتضي الفور عندهم، ولأنه لو جاز التأخير لجاز إلى غير غاية فتنتفي العقوبة على الترك، ولأن حاجة الفقراء ناجزة، وحقهم في الزكاة ثابت، فيكون تأخيرها منعاً لحقهم في وقته. وسئل أحمد: إذا ابتدأ في إخراجها فجعل يخرجها أولاً فأولاً؟ قال: لا، بل يخرجها كلها إذا حال الحول. وقال: لا يجري على أقاربه من الزكاة كل شهر، أي مع التأخير.
        ثم قال الشافعية والحنابلة: ويجوز التأخير لعذر. ومما ذكره الشافعية من الأعذار: أن يكون المال غائباً فيهمل إلى مضي زمن يمكن فيه إحضاره، وأن يكون بإخراجها أمر مهم ديني أو دنيوي، وأن ينتظر بإخراجها صالحاً أو جاراً.
        ومما ذكره الحنابلة أن يكون عليه مضرة في تعجيل الإخراج، مثل من يحول عليه الحول قبل مجيء الساعي، ويخشى إن أخرجها بنفسه أخذها الساعي منه مرة أخرى.
        وكذا إن خشي في إخراجها ضرراً في نفسه أو مال له سواها، لأن مثل ذلك يجوز تأخير دين الآدمي لأجله، فدين الله أولى.
        وذهب المالكية إلى أن الحاضر يجب عليه أن يخرج زكاة ما حضر من ماله وما غاب دون تأخير مطلقاً، ولو دعت الضرورة لصرف ما حضر، بخلاف المسافر فله التأخير إن دعته الضرورة أو الحاجة لصرف ما معه في نفقته.
        وذهب الحنفية: إلى أن افتراض الزكاة عمريّ، أي على التراخي ففي أي وقت أدى يكون مؤدياً للواجب، ويتعين ذلك الوقت للوجوب، وإذا لم يؤد إلى آخر عمره يتضيق عليه الوجوب حتى لو لم يؤد يأثم إذا مات. واستدل له بأن من عليه الزكاة إذا هلك نصابه بعد تمام الحول والتمكن من الأداء لا يضمن، ولو كانت على الفور لضمن، كمن أخر صوم رمضان عن وقته فإن عليه القضاء.

        حكم من ترك إخراج الزكاة حتى مات:
        من ترك الزكاة التي وجبت عليه، وهو متمكن من إخراجها، حتى مات ولم يوص بإخراجها أثم إجماعاً.
        ذهب جمهور الفقهاء منهم مالك والشافعي، وأحمد إلى أن من مات وعليه زكاة لم يؤدها فإنها لا تسقط عنه بالموت كسائر حقوق الله تعالى المالية، ومنها الحج والكفارات، ويجب إخراجها من ماله سواء أوصى بها أو لم يوص، وتخرج من كل ماله لأنها دين لله، فتعامل معاملة الدين، ولا تزاحم الوصايا في الثلث، لأن الثلث يكون فيما بعد الدين. واستدلوا بأنه حق واجب في المال، فلم تسقط بالموت كدين الآدمي.
        ثم قال الشافعية: إذا اجتمع دين الله مع دين الآدمي يقدم دين الله للحديث "دين الله أحق أن يقضى" رواه البخاري.
        ثم عند المالكية تخرج زكاة فرض فيها من رأس ماله إن تحقق أنه لم يخرجها، أما إن كان ذلك بمجرد إقراره في مرض موته وأشهد على بقائها في ذمته، وأوصى بإخراجها فهي من الثلث، وإلا فلا تخرج أصلاً.
        وأما زكاة عام موته فإن اعترف بحلولها وأوصى بإخراجها أخرجت من رأس المال.
        وذهب أبو حنيفة إلى أن الزكاة تسقط بالموت بمعنى أنها لا يجب إخراجها من تركته، فإن كان قد أوصى بها فهي وصية تزاحم سائر الوصايا في الثلث، وإن لم يوص بها سقطت، لأنها عبادة من شرطها النية، فسقطت بموت من هي عليه كالصلاة والصوم، فإن أخرجها الورثة فهي صدقة تطوع منهم.
        ويستثنى من هذا عند الحنفية عشر الخارج من الأرض، فيؤخذ من تركة الميت لأنه عندهم في معنى مؤونة الأرض.

        - تراكم الزكاة لسنين:
        إذا أتى على المكلف بالزكاة سنون لم يؤد زكاته فيها وقد تمت شروط الوجوب، لم يسقط عنه منها شيء اتفاقاً، ووجب عليه أن يؤد الزكاة عن كل السنين التي مضت ولم يخرج زكاته فيها.

        - حكم من شك هل أدى الزكاة أم لم يؤدها:
        ذهب الحنفية إلى أنَّ من شك هل أدى زكاته أو لا يجب عليه أن يزكي بخلاف ما لو شك بعد الوقت أنه هل صلى أم لا، لا يعيد. قالوا: لأن وقت لا زكاة لا آخر له، بل هو العمر، فالشك فيها كالشك في الصلاة في الوقت.
        وقواعد المذاهب الأخرى تقتضي مثل ذلك فإن اليقين لا يزول بالشك.

        صورة إخراج الزكاة:
        الزكاة إما أن تخرج من أعيان المال وهو الأصل في غير زكاة العروض التجارية وقد تقدم. وإما أن تخرج القيمة.
        ذهب الشافعية والحنابلة خلافاً للحنفية إلى أن الواجب في زكاة عروض التجارة إخراج القيمة، ولا يجزئ إخراج شيء من أعيان العروض عندهم.
        ويجزئ إخراج الذهب عن الفضة بالقيمة وعكسه، وهو مذهب الحنفية والمالكية.
        وذلك لأن المقصود من هذين الجنسين الثمينة، والتوسل بها إلى المقاصد، وذلك موجود في الجنسين جميعاً، ومن هنا فرق من فرق بينهما وبين سائر الأجناس، فإن لكل جنس مقصوداً مختصاً به لا يحصل بالجنس الآخر. ولأن إخراج القيمة هنا قد يكون أرفق بالآخذ والمعطي. وقد يندرئ به الضرر عنهما، فإنه لو تعين إخراج زكاة الدنانير منها شق على من يملك أقل من أربعين ديناراً ذهباً إخراج جزء من دينار، لأنه يحتاج إلى قطعة أو بيعه أو مشاركة الفقير له فيه، وفي كل ذلك ضرر.
        وأما ما عدا ذلك كزكاة المواشي والزروع وإخراج زكاة الذهب أو الفضة عن غيرهما أو العكس، فقد اختلف الفقهاء في إخراج القيمة على مذاهب:
        فذهب الجمهور (الشافعية، والمالكية على قول، والحنابلة) إلى أنه لا يجوز إخراج القيم في الزكاة، واستثنى بعض أصحاب هذا القول نحو إخراج بنت لبون عن بنت مخاض.
        واحتجوا بحديث "في أربعين شاة شاة، وفي مائتي درهم خمسة دراهم" رواه أحمد فتكون الشاة المذكور والدراهم المذكورة هي المأمور بها، والأمر يقتضي الوجوب.
        وبحديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فقال: "خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر" رواه أو داود.
        قالوا: ولأن الزكاة فرضت دفعاً لحاجة الفقير، وحاجاته متنوعة، فينبغي أن يتنوع الواجب ليتنوع ما يصل إليه، ووجبت شكراً لنعمة المال، ويحصل ذلك بالمواساة مما أنعم الله به عليه. ولأن الزكاة قربة لله تعالى وما كان كذلك فسبيله الاتباع، ولو جازت القيمة لبينها النبي صلى الله عليه وسلم.
        وذهب الحنفية، وهو القول المشهور عند المالكية، إلى أن إخراج القيمة جائز. لكن قال المالكية: يجوز، ويجزئ مع الكراهة، لأنه من قبيل شراء الإنسان الصدقة التي أخرجها لله تعالى.
        ولأن الغرض منها صد خلة المحتاج، وذلك معنى معقول، ولأن حاجاته مختلفة، وبالقيمة يحصل ما شاء من حاجاته. وقياساً على الجزية فإن القيمة مجزئة فيها اتفاقاً، والغرض منها كفاية المقاتلة، ومن الزكاة كفاية الفقير.
        واحتجوا بما في حديث أنس المرفوع "من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقه فإنها تؤخذ منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً" رواه البخاري.
        فانتقل إلى القيمة في موضعين، فعلمنا أن ليس المقصود خصوص عين السن المعين وإلا لسقط إن تعذر، أو لوجب عليه أن يشتريه فيدفعه.
        ثم قال المالكية: إن أكره على دفع القيمة فدفعها أجزأت، قولاً واحداً.

        الإخراج بإسقاط المزكي دينه عن مستحق للزكاة:
        ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا يجوز للدائن أن يسقط دينه عن مدينه الفقير المعسر الذي ليس عنده ما يسد به دينه ويحسبه من زكاة ماله.
        ووجه المنع أن الزكاة لحق الله تعالى، فلا يجوز فللإنسان أن يصرفها إلى نفع نفسه أو إحياء ماله، واستيفاء دينه.
        وذهب الشافعي إلى جواز ذلك، لأنه لو دفع إليه زكاته ثم أخذها منه عن دينه جاز، فكذا هذا.
        فإن دفع الدائن زكاة ماله إلى مدينه فردها المدين إليه سداداً لدينه، أو استقرض المدين ما يسد به دينه فدفعه إلى الدائن فرده إليه واحتسبه من الزكاة، فإن لم يكن ذلك حيلة، أو تواطؤا، أو قصداً لإحياء ماله، جاز عند الجمهور.
        وإن كان على سبيل الحيلة لم يجز عند المالكية والحنابلة، وجاز عند الشافعية ما لم يكن ذلك عن شرط واتفاق، بل بمجرد النية من الطرفين.
        لكن صرح الحنفية بأنه لو وهب جميع الدين إلى المدين الفقير سقطت زكاة ذلك الدين ولو لم ينو الزكاة، وهذا استحسان.

        احتساب المكس ونحوه عن الزكاة:
        ذهب الحنفية: إلى أنه إذا نوى أن يكون المكس زكاة فالصحيح أنه لا يقع الزكاة.
        وذهب المالكية فيمن يملك نصاباً من الأنعام، فجعل عليه الحاكم نقداً معلوماً كل سنة، يأخذه بغير اسم الزكاة، فلا يسوغ له أن ينوي به الزكاة، وإن نواها لا تسقط عنه.
        وذهب الشافعية والحنابلة: بأن ما يؤخذ من التاجر من المكس لا يحسب عنه زكاة، ولو نوى به الزكاة، لأن الإمام لم يأخذه باسم الزكاة.
        - ما ينبغي لمخرج الزكاة مراعاته في الإخراج:
        أ- يستحب للمزكي إخراج الجيد من ماله، مع العلم بأن الواجب في حقه الوسط، وذلك لقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة: 267] وقوله: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92].
        ب- إظهار إخراج الزكاة وإعلانه، قال ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، يقال: بسبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها، يقال: بخمسة وعشرين ضعفاً، قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها.
        وأجمع العلماء على أن إظهار الواجب أفضل . وأما قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 271] فهو في صدقة التطوع، نظيرها الصلاة، تطوعها في البيت أفضل، وفريضتها في المسجد ومع الجماعة أفضل.
        ج- الحذر من المن والرياء والأذى، وهذه الأمور محرمة في كل ما يخرج من المال مما يقصد به وجه الله تعالى، وتحبط الأجر لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى} [البقرة: 264] ومن هنا استحب المالكية للمزكي أن يستنيب من يخرجها خوف قصد المحمدة.

        - اختيار المزكي من يعطيه الزكاة:
        إعطاء المستحقين الزكاة ليس بدرجة واحدة من الفضل، بل يتمايز.
        نص المالكية على أنه يندب للمزكي إيثار المضطر أي المحتاج، على غيره، بأن يزاد في إعطائه منها دون عموم الأصناف.

التوكيل في أداء الزكاة:
        يجوز للمزكي أن يوكل غيره في أداء زكاته، سواء في إيصالها للإمام أو نائبه، أو في أدائها إلى المستحق، سواء عين ذلك المستحق أو فوض تعينه إلى الوكيل.
        وقد نص الشافعية على أن إخراج المزكي الزكاة بنفسه أفضل من التوكيل، أنه بفعل نفسه أوثق.
        وقال المالكية: التوكيل أفضل خشية قصد المحمدة، ويجب لمن يعلم من نفسه ذلك القصد، أو يجهل المسنحقين. قالوا: وليس للوكيل صرفها المزكي الذي تلزمه نفقته، فإن لم تلزمه نفقته كره.
        ثم قال الشافعية: إن كان الوكيل بالغا عاقلا، جاز التفويض إليه، فإن كان صبيا أو سفيهاً لم يصح التوكيل، إلا إن نوى الموكل وعين له من يعطيه المال.

        - تلف المال كله أو بعضه بعد وجوب الزكاة:
        من وجبت عليه الزكاة فلم يخرجها ثم ضاع المال كله أو بعضه، أو تلف بغير فعل المزكي فقد اختلف الفقهاء في ذلك.
        وذهب الحنفية: إلى أنَّه تلف المال سقطت الزكاة، لان الواجب جزء من النصاب فيسقط بهلاك محله.
        قالوا: وإذا هلك بعض المال يسقط من الزكاة بقدره أي بنسبة ما هلك.
        وقالوا: إن تلف من مال الزكاة بعد الحول ما كان به الباقي أقل من نصاب قبل إمكان الأداء بلا تفريط سقطت الزكاة، فإن أمكن الأداء وفرط ضمن.
        وذهب المالكية والشافعية: إلى أن ضياعه بتفريطه في حفظه وجبت عليه زكاة كل المال، وكذا إن فرط في الإخراج بعد التمكن، بأن وجد المستحق، سواء طلب الزكاة أم لم يطلبها، لتقصيره بحبس الحق عن مستحقه.
        قال الشافعية: إن لم يكن فرط زكى الباقي فقط بقسطه، ولو كان أقل من نصاب.
        وقال المالكية: إن كان الباقي أقل من نصاب سقطت الزكاة.
        وذهب الحنابلة إلى أنه يجب عليه زكاة كل المال، حتى لو ضاع كله بعد الحول فالزكاة في ذمته لا تسقط إلا بالأداء، لأنها حق للفقراء ومن معهم لم يصل إليهم، كدين الآدمي.

        - تلف الزكاة بعد عزلها:

        لو عزل الزكاة ونوى أنها زكاة ماله فتلفت فالحكم كذلك عند كل من المالكية والحنابلة. وذكر المالكية صورة ما لو عزل الزكاة فتلف المال وبقيت الزكاة، فإنه يجب عليه إخراجها ولا تسقط بتلف المال.

زكاة المعادن والركاز









 زكاة المعادن والركاز:
  •        - صفة المعدن الذي تجب فيه الزكاة.
  •          - قدر الواجب في المعدن وصفته.
  •          - نصاب المعادن.
  •          - وقت وجوب الزكاة في المعدن.
  •          - شروط إخراج الزكاة في المعادن.
  •          - معادن البحر.
  •          - الركاز.
  •          - صفة الركاز الذي فيه الخمس.
  •          - زكاة المستخرج من البحار.

        اختلف الفقهاء في معنى المعدن، والركاز أو الكنز، وفي أنواع المعادن التي تجب فيها الزكاة، وفي مقادير الزكاة في كل من المعدن والركاز.

        1- مذهب الحنفية:
        المعدن، والركاز أو الكنز بمعنى واحد، وهو كل مال مدفون تحت الأرض، إلا أن المعدن هو ما خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق الأرض، والركاز أو الكنز هو المال المدفون بفعل الناس الكفار.

        والمعادن ثلاثة أنواع: 
        أ- جامد يذوب وينطبع بالنار كالنقدين (الذهب والفضة) والحديد والنحاس والرصاص، ويلحق به الزئبق، وهذا هو الذي يجب فيه الزكاة وهي الخمس، وإن لم يبلغ نصاباً.
        ب- جامد لا يذوب ولا ينطبع بالنار كالجص والنورة (حجر الكلس) والكحل، والزرنيخ وسائر الأحجار كالياقوت والملح.
        جـ- مائع ليس بجامد: كالقار (الزفت) والنفط (البترول).
        ولا يجب الخمس إلا في النوع الأول، سواء وجد في أرض خراجية أو عشرية(1) ويصرف الخمس مصارف خمس الغنيمة، ودليلهم الكتاب والسنة الصحيحة والقياس.
        أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] ويعد المعدن غنيمة، لأنه كان في محله من الأرض في أيدي الكفرة، وقد استولى عليه المسلمون عنوة.
        وأما السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم: "العجماء جُبَار -أي هدر لا شيء فيه- والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس". متفق عليه والركاز يشمل المعدن والكنز، لأنه من الركز أي المركوز، سواء من الخالق أو المخلوق.
        وأما القياس: فهو قياس المعدن على الكنز الجاهلي، بجامع ثبوت معنى الغنيمة في كل منهما، فيجب الخمس فيهما.
        والزائد عن الخمس: إن وجد في أرض مملوكة فهو لمالكه، وإن وجد في أرض غير مملوكة لأحد كالصحراء والجبل فهو للواجد.
        ووجوب الخمس في المعدن: هو إن كان عليه علامة الجاهلية كوثن أو صليب ونحوهما، فإن كان عليه علامة الإسلام مثل كلمة الشهادة، أو اسم حاكم مسلم، فهو لقطة لا يجب فيه الخمس.
(1) الأر ض الخراجية : هي كل أرض فتحت عنوة وأقر أهلها عليها، أو صالحهم الإمام على دفع الخراج (ضريبة أهل الكفار) إلا أرض مكة، فإنها فتحت عنوة وتركت لأهلها، ولم يوظف عليها الخراج. والأرض العشرية : هي كل أرض أسلم أهلها عليها قبل أن يقدر عليها، أو فتحت عنوة وقسمت بين الغانمين، وأرض العرب كلها أرض عشر، يجب فيها العشر الذي هو وظيفة أرض المسلمين فالأولى للدولة، والثانية مملوكه.
        وكذلك لا يجب الخمس عند أبي حنيفة إن وجد المعدن أو الركاز في دار مملوكة، لأنه جزء من أجزاء الأرض مركب فيها، ولا مؤنة (ضريبة) في سائر الأجزاء، فكذا في هذا الجزء. وفي قول آخر عند الحنفية: فيه الخمس، لإطلاق الحديث السابق: "وفي الركاز الخمس" من غير تفرقة بين الأرض والدار. وفرق أبو حنيفة بينهما بأن الدار ملكت خالية عن المؤن (التكاليف) دون الأرض، بدليل وجوب العشر والخراج في الأرض دون الدار، فتكون هذه المؤنة (الخمس) واجبة مثلهما في الأرض دون الدار.
        ولا زكاة في النوعين الآخرين من المعادن (مالا ينطبع بالنار، والمائع) إلا الزئبق من المائع، فإنه يجب فيه الخمس، لأنه كالرصاص.
        ولا زكاة في الفيروز الذي يوجد في الجبال.
        ولا زكاة في اللؤلؤ والعنبر ولا في جميع ما يستخرج من البحر من الحلي ولو ذهباً كنزاً، لأنه لم يرد عليه القهر، فلم يكن غنيمة، إلا إذا أعد للتجارة.
        وأما الكنز أو الركاز: فيجب فيه الخمس إذا وجد في أرض لا مالك لها، للحديث السابق: "وفي الركاز الخمس" ويلحق به كل ما يوجد تحت الأرض من الأمتعة من سلاح وآلات وثياب ونحو ذلك، لأنه غنيمة بمنزلة الذهب والفضة.
        ومن دخل دار الحرب بأمان، فوجد في دار بعضهم ركازاً، رده عليهم تحرزاً عن الغدر، لأن ما في الدار في يد صاحبها خاصة، وإن لم يرده وأخرجه من دار الحرب ملكه ملكاً خبيثاً، فيتصدق به. وإن وجده في صحراء دار الحرب، فهو للواجد، لأنه ليس في يد أحد على الخصوص، فلا يعد غدراً، ولا شيء فيه، لأنه بمنزلة المتلصص في دار الحرب غير المجاهر إذا أخذ شيئاً من أموال الحربيين، وأحرزه بدار الإسلام.

        2- مذهب المالكية:
        المعدن غير الركاز، والمعدن: هو ما خلقه الله في الأرض من ذهب أو فضة أو غيرهما كالنحاس والرصاص والكبريت، ويحتاج إخراجه إلى عمل وتصفية.
        ملكية المعادن: المعادن أنواع ثلاثة:
        الأول- أن تكون في أرض غير ممتلكة: فهي للإمام (الدولة) يقطعها لمن شاء من المسلمين، أو يجعلها في بيت المال لمنافعهم، لا لنفسه.
        الثاني- أن تكون في أرض مملوكة لشخص معين: هي للإمام أيضاً، ولا يختص بها رب الأرض. وقيل: لصاحبها.
        الثالث- أن تكون في أرض ممتلكة لغير شخص معين كأرض العنوة والصلح: أرض العنوة للإمام، ومعادن أرض الصلح لأهلها، ولا نتعرض لهم فيها ما داموا كفاراً، فإن أسلموا رجع الأمر للإمام.
        والخلاصة أن حكم المعدن مطلقاً للإمام (أي السلطان أو نائبه) إلا أرض الصلح ما دام أهلها كفاراً.
        الواجب في المعدن: تجب الزكاة في المعدن، وهي ربع العشر إن كان نصاباً، وبشرط الحرية والإسلام كما يشترط في الزكاة، لكن لا حول في زكاة المعدن، بل يزكى لوقته كالزرع، والمعدن الذي تجب فيه الزكاة هو الذهب والفضة فقط، لا غيرهما من المعادن من نحاس ورصاص وزئبق وغيرها إلا إذا جعلت عروض تجارة.
        ويضم في الزكاة المعدن المستخرج ثانياً لما استخرج أولاً، متى كان العِرْق واحداً، أي متصلاً بما خرج أولاً، فإن بلغ الجميع نصاباً فأكثر، زكاه، وإن تراخى العمل.
        ولا يضم عِرْق لآخر، كما لا يضم معدن لآخر، وتخرج الزكاة من كل واحد على انفراده.
        ويستثنى من ذلك ما يسمى بالنَّدْرَة : وهي القطعة الخالصة من الذهب أو الفضة التي يسهل تصفيتها من التراب، فلا تحتاج إلى عناء في التخليص، ويخرج منها الخمس، ولو دون نصاب، وتصرف مصارف الغنيمة وهو مصالح المسلمين.
        وأما الركاز أو الكنز: فهو دفين الجاهلية من ذهب أو فضة أو غيرهما، فإن شك في المال المدفون، أهو جاهلي أم غيره، اعتبر جاهلياً.
        ملكيته: يختلف حكم ملكية الركاز باختلاف الأرض التي وجد فيها، وذلك أربعة أنواع:
        الأول- أن يوجد في الفيافي، ويكون من دفن الجاهلية: فهو لواجده.
        الثاني- أن يوجد في أرض مملوكة: فهو لمالك الأرض الأصلي بإحياء أو بإرث منه، لا لواجده، ولا لمالكها بشراء أو هبة، بل للبائع الأصلي أو الواهب إن علم، وإلا فلقطة.
        الثالث- أو يوجد في أرض فتحت عنوة: فهو لواجده.
        الرابع- أن يوجد في أرض فتحت صلحاً: فهو لواجده.
        هذا كله ما لم يكن بطابع المسلمين، فإن كان بطابع المسلمين، فحكمه حكم اللقطة : يُعرَّف عاماً ثم يكون لواجده.
        زكاته: يجب الخمس في الركاز مطلقاً، سواء أكان ذهباً أم فضة أم غيرهما، وسواء وجده مسلم أو غيره. ويصرف الخمس كالغنائم في المصالح العامة، إلا إذا احتاج إخراجه إلى عمل كبير أو نفقة عظيمة، فيكون الواجب فيه ربع العشر، ويصرف في مصارف الزكاة.
        ولا يشترط في الواجب في الركاز في الحالين بلوغ النصاب.
        ولا زكاة فيما لفظه (طرحه) البحر مما لم يكن مملوكاً لأحد، كعنبر ولؤلؤ ومرجان وسمك، ويكون لواجده الذي وضع يده عليه أولاً، بلا تخميس، لأن أصله الإباحة. فإن سبق ملكه لأحد من أهل الجاهلية، فهو لواجده بعد تخميسه، لأنه من الركاز. وإن علم أنه لمسلم أو ذمي لقطة، يعرَّف عاماً.

        3- مذهب الشافعية:
        المعدن غير الركاز، فالمعدن: ما يستخرج من مكان خلقه الله تعالى فيه، وهو خاص بالذهب والفضة، كما قال المالكية.
        ويجب فيه ربع العشر إن كان ذهباً أو فضة، لا غيرهما كياقوت وزبرجد ونحاس وحديد، سواء وجد في أرض مباحة أو مملوكة لحر مسلم، لعموم أدلة الزكاة السابقة، كخبر : "وفي الرقة ربع العشر"، بشرط كونه نصاباً، كما قال باقي الأئمة، ولا يشترط حولان الحول على المذهب، لأن الحول إنما يعتبر لأجل تكامل النماء، والمستخرج من المعدن نماء في نفسه، فأشبه الثمار والزروع.
        ويضم بعض المستخرج إلى بعض إن اتحد المعدن المخرج، وتتابع العمل، كما يضم المتلاحق من الثمار، ولا يشترط بقاء الأول على ملك المستخرج، ويشترط اتحاد المكان المستخرج منه، فلو تعدد لم يضم، لأن الغالب في اختلاف المكان استئناف العمل. وإذا قطع العمل بعذر كإصلاح الآلة وهرب الأجراء والمرض والسفر، ثم عاد إليه، ضُمَّ، وإن طال الزمن عرفاً لعدم إعراضه. وإذا قطع العمل بلا عذر فلا يضم، لإعراضه عن العمل.
        ويضم الخارج الثاني إلى الأول، كما يضم إلى ما ملكه بغير المعدن في إكمال النصاب وتخرج زكاته عقب تخليصه وتنقيته، فلو أخرج قبل تصفيته لا تجزئ.
        وأما الركاز فهو دفين الجاهلية، ويجب فيه الخمس، حالاً بشروط الزكاة من حرية وإسلام وبلوغ نصاب، وكونه من النقدين (الذهب والفضة المضروب منهما والسبيكة)، لأنه مال مستفاد من الأرض، فاختص بما تجب فيه الزكاة قدراً ونوعاً كالمعدن، ولا يشترط حولان الحول، ويصرف مصرف الزكاة على المشهور. ودليل قدر الواجب فيه حديث أبي هريرة المتقدم: "وفي الركاز الخمس".
        فإن لم يكن دفين الجاهلية: بأن كان إسلامياً بوجود علامة عليه تدل على إسلاميته، أو لم يعلم أهو جاهلي أو إسلامي: فهو لمالكه أو وارثه إن علم، لأن مال المسلم لا يملك بالاستيلاء عليه. وإن لم يعلم مالكه، فلقطة، يعرفه الواجد، كما يعرف اللقطة الموجودة على وجه الأرض.
        وإذا وجد الركاز في أرض مملوكة لشخص أو لموقوف عليه، فللشخص إن ادعاه، يأخذه بلا يمين، كأمتعة الدار، وإن لم يدعه بأن نفاه أو سكت، فلمن سبقه من المالكين، حتى ينتهي الأمر إلى محيي الأرض.
        وإذا وجد الركاز في مسجد أو شارع، فلقطة على المذهب، يفعل فيه ما يفعل باللقطة مما سبق، لأن يد المسلمين عليه، وقد جهل مالكه، فيكون لقطة.
        ولو تنازع في ملك الركاز بائع ومشتر، أو مُكْر ومكتر، أو معير ومستعير، صُدِّق ذو اليد (أي المشتري والمكتري والمستعير) بيمينه، كما لو تنازعا في أمتعة الدار.
        4- مذهب الحنابلة:
        المعدن غير الركاز، والمعدن: هو ما استنبط من الأرض مما خلقه الله تعالى وكان من غير جنسها، فليس هو شيء دفن، سواء أكان جامداً أم مائعاً.
        ملكيته: المعادن الجامدة كالذهب والفضة والنحاس تملك بملك الأرض التي هي فيها، لأنها جزء من أجزاء الأرض، فهي كالتراب والأحجار الثابتة، بخلاف الركاز، فإنه ليس من أجزاء الأرض. فعلى هذا ما يجده الواجد في ملك أو في موات، فهو أحق به، وإن سبق اثنان إلى معدن في موات فالسابق أولى به مادام يعمل، فإذا تركه جاز لغيره العمل فيه، وما يجده في مملوك يعرف مالكه، فهو لمالك المكان.
        أما المعادن السائلة كالنفط والزرنيخ ونحو ذلك، فهي مباحة على كل حال، إلا إنه يكره له دخول ملك غيره إلا بإذنه.

        صفة المعدن الذي تجب فيه الزكاة: هو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها، فإذا أخرج من المعادن من الذهب عشرين مثقالاً، أو من الفضة مائتي درهم (نصاب الزكاة)، أو قيمة ذلك من الحديد والرصاص والنحاس والزئبق والياقوت والزبرجد والبلور والعقيق والكحل والزرنيخ، وكذلك المعادن السائلة كالقار (الزفت) والنفط والكبريت ونحو ذلك، مما يستخرج من الأرض، ففيه الزكاة فوراً أي من وقت الإخراج.
        ودليلهم عموم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267] ولأنه معدن، فتعلقت الزكاة بالخارج منه كالأثمان (الذهب والفضة). وأما الطين فليس بمعدن، لأنه تراب، والمعدن: ما كان في الأرض من غير جنسها.

        قدر الواجب في المعدن وصفته: قدر الواجب في المعدن هو ربع العشر، وصفته أنه زكاة، كما قال الشافعية، لما روى أبو عبيد: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القَبَلية في ناحية الفُرْع، قال: فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم" ولأنه حق يحرم على أغنياء ذوي القربى، فكان زكاة كالواجب في الأثمان التي كانت مملوكة له.

        نصاب المعادن: هو ما يبلغ من الذهب عشرين مثقالاً، ومن الفضة مائتي درهم، أو قيمة ذلك من غيرهما، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" وقوله: "ليس في تسعين ومائة شيء" وقوله: "ليس عليكم في الذهب شيء حتى يبلغ عشرين مثقالاً".
        ولا يشترط له الحول لحصوله دفعة واحدة، فأشبه الزروع والثمار.
        ويعتبر إخراج النصاب دفعة واحدة، أو دفعات لا يترك العمل بينهن ترك إهمال. وترك العمل ليلاً أو للاستراحة أو لعذر من مرض أو لإصلاح الأداة ونحوه لا يقطع حكم العمل.
        ويضم ما خرج في العملين بعضه إلى بعض في إكمال النصاب. ولا يضم أحد الأجناس إلى جنس آخر، ويعتبر لكل معدن نصاب مستقل بانفراده، لأن المعادن أجناس، فلا يكمل نصاب أحدهما بالآخر كغير المعدن، إلا في الذهب والفضة، فيضم كل منهما إلى الآخر في تكميل النصاب، كما يضم إلى كل منهما معدن آخر، وكما تضم عروض التجارة إلى الأثمان (الذهب والفضة).

        وقت الوجوب: تجب الزكاة في المعدن حين الإخراج وبلوغ النصاب، ولا يعتبر له حول باتفاق المذاهب الأربعة، لأنه مال مستفاد من الأرض، فلا يعتبر في وجوب حقه حول، كالزرع والثمار والركاز.

        - شروط إخراج الزكاة في المعادن: يشترط شرطان:
        الأول- أن يبلغ بعد سبكه وتصفيته نصاباً إن كان ذهباً أو فضة أو تبلغ قيمته نصاباً إن كان غيرهما.
        الثاني- أن يكون مخرجه ممن تجب عليه الزكاة، فلا يجب على الذمي أو الكافر أو المدين أو نحو ذلك.
        - معادن البحر: ولا زكاة في المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر والسمك ونحوه، كما قرر باقي المذاهب، لقول ابن عباس : "ليس في العنبر شيء، إنما هو شيء ألقاه البحر" وعن جابر نحوه، ولأنه قد كان يخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه، فلم يأت فيه سنة، ولا عن أحد من خلفائه، ولأن الأصل عدم الوجوب فيه، ولا يصح قياسه على معدن البر، لأن العنبر إنما يلقيه البحر، فيوجد ملقى في البر على الأرض من غير تعب، فأشبه المباحات المأخوذة من البر، وأما السمك فهو صيد، فلم يجب فيه زكاة كصيد البر.

        وأما الركاز: فهو دفين الجاهلية، أي مال الكافر المأخوذ في عهد الإسلام، قل أو كثر، ويلحق به ما وجد على وجه الأرض وكان عليه علامة الكفار. وفيه الخمس. للحديث المتفق عليه: "العجماء جُبَار، وفي الركاز الخمس".
        فإن وجد عليه أو على بعضه علامة الإسلام كآية قرآن أو اسم النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من خلفاء المسلمين أو وال لهم، فهو لقطة، تجري عليه أحكامها، لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه.
        وخمس الركاز يوضع في بيت المال ويصرف في المصالح العامة، وباقيه لواجده إن وجده في أرض مباحة، ولمالك الأرض إن وجد في أرض مملوكة، وهو للواجد إن وجده في ملك غيره إن لم يدّعه المالك، فإن ادعاه مالك الأرض فهو له مع يمينه.
        وإن وجد الركاز في دار الحرب: فإن لم يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين، فهو غنيمة لهم، وإن قدر عليه بنفسه، فهو لواجده، كما لو وجده في موات في أرض المسلمين.
        صفة الركاز الذي فيه الخمس: هو كل ما كان مالاً على اختلاف أنواعه من الذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس والآنية وغير ذلك، لعموم الحديث: "وفي الركاز الخمس".

        - زكاة المستخرج من البحار:
        ذهب جمهور العلماء الحنفية والمالكية والشافعية وهي إحدى روايتين عن أحمد إلى أن المستخرج من البحر من اللؤلؤ والعنبر والمرجان ونحوها لا شيء فيه من زكاة أو خمس، لما روي عن ابن عباس: ليس في العنبر شيء، إنما هو شيء ألقاه البحر. وروي مثله عن جابر، ولأنه قد كان يستخرج على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه فلم يأت فيه سنة عنه ولا عنهم.
        وفي رواية عن أحمد فيه الزكاة، لأنه يشبه الخارج من معدن البر. وروي أن ابن عباس قال في العنبر: "إن كان فيه شيء ففيه الخمس"، وكتب يعلى بن أمية إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عنبرة وجدها على ساحل البحر فاستشار الصحابة، فأشاروا أن يأخذ منها الخمس. فكتب عمر إليه بذلك.

        وقال المالكية: ما خرج من البحر كعنبر إن لم يتقدم عليه ملك فهو لواجده ولا يخمس كالصيد، فإن كان تقدم عليه ملك فإن كان لجاهلي أوشك فيه فركاز، وإن كان لمسلم أو ذمي فلقطة.

زكاة الزروع والثمار




زكاة الزروع والثمار:

  •          - الزكاة في الزيتون.
  •        - شروط وجوب الزكاة في الزروع والثمار.
  •        - وقت وجوب الزكاة في الحبِّ والثمر.
  •        - من تلزمه الزكاة في حال اختلاف مالك الغلَّة عن مالك الأرض.
  •        - زكاة الزرع والثمر المأخوذين من الأرض المباحة.
  •           خرص الثمار إذا بدا صلاحها.
  •        - الحيل لإسقاط الزكاة.
  •        - قدر المأخوذ في زكاة الزروع والثمار.
  •        - ما يلزم المالك فعله قبل إخراج القدر الواجب.


      ما تجب فيه الزكاة من أجناس النبات:
      أجمع العلماء على أن في التمر (ثمر النخل) والعنب (ثمر الكرم) من الثمار، والقمح والشعير من الزروع الزكاة إذا تمت شروطها.
      وإنما أجمعوا على ذلك لما ورد فيها من الأحاديث الصحيحة:
      منها حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعاً: "الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب" رواه الدارقطني وفي لفظ "العشر في التمر والزبيب والحنطة والشعير" رواه الدارقطني.
      ومنها حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الأربعة الحنطة والشعير والزبيب والتمر" رواه الدارقطني.
      ومنها ا لحديث الذي ورد عن أبي بردة عن أبي موسى ومعاذ رضي الله عنهم أجمعين "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم أن لا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب" رواه الحاكم.
      ثم اختلف العلماء في ما عدا هذه الأصناف الأربعة:
      فذهب أبو حنيفة إلى أن الزكاة تجب في كل ما يقصد بزراعته استنماء الأرض، من الثمار والحبوب والخضروات والأبازير وغيرها مما يقصد به استغلال الأرض، دون ما لا يقصد به ذلك عادة كالحطب والحشيش والقصب (أي القصب الفارسي بخلاف قصب السكر) والتبن وشجر القطن والباذنجان وبذر البطيخ والبذور التي للأدوية كالحلبة والشونيز، لكن لو قصد بشيء من هذه الأنواع كلها أن يشغل أرضه بها لأجل الاستنماء وجبت الزكاة، فالمدار على القصد.
      واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء أو كان العشر" رواه البخاري. فإنه عام فيؤخذ على عمومه، ولأنه يقصد بزراعته نماء الأرض واستغلالها فأشبه الحب.
      وذهب المالكية إلى التفريق بين الثمار والحبوب، فأما الثمار فلا يؤخذ من أي جنس منها زكاة غير التمر والعنب، وأما الحبوب، فيؤخذ من الحنطة والشعير والسلت والذرة والدُخن والأرز والعلس، ومن القطاني السبعة الحمص والفول والعدس واللوبيا والترمس والجُلُبَّان والبسيلة، وذوات الزيوت الأربع الزيتون والسمسم والقرطم وحب الفجل. فهي كلها عشرون جنساً، لا يؤخذ من شيء سواها زكاة.
      وذهب الشافعية إلى أن الزكاة لا تجب في شيء من الزروع والثمار إلا ما كان قوتاً. والقوت هو ما به يعيش البدن غالباً دون ما يؤكل تنعماً أو تداوياً، فتجب الزكاة من الثمار في العنب والتمر خاصة، ومن الحبوب في الحنطة والشعير والأرز والعدس وسائر ما يقتات اختياراً كالذرة والحمص والباقلاء، ولا تجب في السمسم والتين والجوز واللوز والرمان والتفاح ونحوها والزعفران والورس والقرطم.
      وذهب أحمد في رواية عليها المذهب إلى أن الزكاة تجب في كل ما استنبته الآدميون من الحبوب والثمار، وكان مما يجمع وصفين: الكيل، واليبس مع البقاء (أي إمكانية الادخار) وهذا يشمل أنواعاً سبعة:
      الأول : ما كان قوتاً كالأرز والذرة والدخن.
      الثاني : القطنيات كالفول والعدس والحمص والماش واللوبيا.
      الثالث : الأبازير، كالكسفرة والكمون والكراويا.
      الرابع : البذور، وبذر الخيار، وبذر البطيخ، وبذر القثاء، وغيرها مما يؤكل، أو لا يؤكل كبذور الكتان وبذور القطن وبذور الرياحين.
      الخامس : حب البقول كالرشاد وجب الفجل والقرطم والحلبة والخردل.
      السادس : الثمار التي تجفف، وتدخر كاللوز والفستق والبندق.
      السابع : ما لم يكن حباً ولا ثمراً لكنه يكال ويدخر كسعتر وسماق، أو ورق شجر يقصد كالسدر والخطمي والآس.
      قالوا: ولا تجب الزكاة فيما عدا ذلك كالخضار كلها، وكثمار التفاح والمشمش والتين والتوت والموز والرمان والبرتقال وبقية الفواكه، ولا في الجوز، نص عليه أحمد، لأنه معدود، ولا تجب في القصب ولا في البقول كالفجل والبصل والكراث، ولا في نحو القطن والقنب والكتان والعصفر والزعفران ونجو جريد النخل وخوصه وليفه.
      واحتج الحنابلة لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة" رواه مسلم، فدل على اعتبار الكيل، وأما الادخار فلأن غير المدخر لا تكلم فيه النعمة لعدم النفع به مآلاً.
      وذهب أحمد في رواية، وهو مروي عن ابن عمر رضي الله عنهما إلى أنه لا زكاة في شيء غير هذه الأجناس الأربعة، لأن النص بها ورد، ولأنها غالب الأقوات ولا يساويها في هذا المعنى وفي كثرة نفعها شيء غيرها، فلا يقاس عليها شيء.
      واحتج من عدا ابا حنيفة على انتفاء الزكاة في الخضر والفواكه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس في الخضروات صدقة" رواه الدارقطني، وعلى انتفائها في نحو الرمان والتفاح من الثمار بما ورد أن سفيان بن عبد الله الثقفي وكان عاملاً لعمر على الطائف: أن قبله حيطاناً فيها من الفرسك (الخوخ) والرمان ما هو أكثر من غلة الكروم أضعافاً فكتب يستأمر في العشر، فكتب إليه عمر أن ليس عليها عشر، وقال: هي من العفاة كلها وليس فيها عشر.

      الزكاة في الزيتون:
      وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه تجب الزكاة في الزيتون، لقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] بعد أن ذكر الزيتون في أول الآية. ولأنه يمكن ادخار غلته فأشبه التمر والزبيب.
      وذهب الشافعية وأحمد إلى أنه لا زكاة في الزيتون لأنه لا يدخر يابساً، فهو كالخضروات.

      شروط وجوب الزكاة في الزروع والثمار:
      لا يشترط الحول في زكاة الزروع والثمار اتفاقاً، لقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] ولأن الخارج نماء في ذاته فوجبت فيه الزكاة فوراً كالمعدن، بخلاف سائر الأموال الزكوية فإنما اشترط فيها الحول ليمكن فيه الاستثمار.
      ويشترط لوجوب الزكاة في الزروع والثمار ما يلي:
      الشرك الأول النصاب: ونصابها خمسة أوسق عند الجمهور، في ما يوسق، لما في حديث: "ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة" رواه مسلم والوسق لغة: حمل البعير، وهو في الحنطة والعدس ونحوهما ستون صاعاً(1) بصاع النبي صلى الله عليه وسلم فالنصاب ثلاثمائة صاع.
      وقال أبو حنيفة: لا يشترط نصاب لزكاة الزروع والثمار بل هي واجبة في القليل والكثير ما لم يكن أقل من نصف صاع.

      وقت وجوب الزكاة في الحب والثمر:
      فذهب المالكية والشافعية وأبو حنيفة إلى أنها تجب بإفراك الحب، وطيب الثمر والأمن عليه من الفساد، والمراد بإفراك الحب طيبه واستغناؤه عن السقي، وإن بقي في الأرض لتمام طيبه، وطيب الثمر نحو أن يزهي البسر، أو تظهر الحلاوة في العنب. قالوا: لأن الحب باشتداده يكون طعاماً حقيقة وهو قبل ذلك بقل، والثمر قبل بدو صلاحه بلح وحصرم، وبعد بدو صلاحه ثمرة كاملة، لأن ذلك وقت الخرص، والمراد بالوجوب هنا انعقاد سبب الوجوب، ولا يكون الإخراج إلا بعد اليبس والجفاف.
      وذهب الحنابلة: إلى أنه يثبت الوجوب ببدو الصلاح في الثمر، واشتداد الحب في الزرع، ويستقر الوجوب بجعل الثمرة أو الزرع في الجرين أو البيدر، فلو تلف قبل استقرار الحبوب بجائحة فلا شيء عليه إجماعا، أما قبل ثبوت الوجوب فلو بيع النخل أو الأرض فلا زكاة على البائع في
(1) الصاع مكيال يتسع لما مقداره 2.170 كيلو غراماً م القمح ونحوه، فنصاب القمح ونحوه 653 كيلو جراماً.
الزرع والثمر، ولو مات المالك قبل الوجوب فالزكاة على الورثة إن بقي إلى وقت الوجوب وبلغ نصيب الوارث نصابا، وكذا إن أوصى بها ومات قبل الوجوب فلا زكاة فيها، ولو أكل من الثمرة قبل الوجوب لم يحتسب عليه ما أكل، ولو نقصت عن النصاب بما أكل فلا زكاة عليه.
      وأما بعد الوجوب فتلزمه الزكاة وإن باع أو أوصى بها، ولا شيء على من ملكها بعد أن ثبت الوجوب.
      وذكر الحنابلة مما يتفرع على ذلك أنه لا زكاة على من حصل على نصاب من لقاط السنبل أو أجرة الحصاد، أو ما يأخذه من المباحات من الحب أو العفص والأشنان ونحوها لأنه لم يملكها وقت الوجوب.

      من تلزمه الزكاة في حال اختلاف مالك الغلة عن مالك الأرض:
      إن كان مالك الزرع عند وجوب الزكاة فيه هو مالك الأرض، فالأمر واضح، فتلزمه الزكاة. أما إن كان مالك الزرع غير مالك الأرض فلذلك صور:
      أ- الأرض الخارجية:
      أرض الصلح التي أقرت بأيدي أصحابها على أنها لهم ولنا عليها الخراج، متى أسلموا سقط خراجها، ووجب عليها في غلتها الزكاة، فإن اشتراها من الذمي مسلم فعليه الزكاة فيها، وأرض العنوة التي ملكها المسلمون وحيزت لبيت المال فهذه عليها الخراج اتفاقاً، سواء بقي من هي بيده على دينه أو أسلم أو باعها لمسلم، لأنه خراج بمعنى الأجرة.
      واختلف الفقهاء هل يجب الزكاة في غلتها إن -كان صاحبها مسلماً- أيضاً.
      فذهب الجمهور إلى أن الخراج يؤدى أولاً، ثم يزكي ما بقي.
      وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا زكاة في غلة الأرض الخراجية، وذلك لأن الخراج مؤونة الأرض، والعشر فيه معنى المؤونة، فلا يجتمع عشر وخراج.
      ب- الأرض المستعارة والمستأجرة:
      ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى أن من استعار أرضاً أو استاجرها فزرعها، فالزكاة على المستعير والمستأجر لأن الغلة ملكه، والعبرة في الزكاة بملكية الثمرة لا بملكية الأرض أو الشجر.
      وذهب أبو حنيفة إلى أن العشر على المؤجر لأن الأرض كما تستنمى بالزراعة تستنمى بالإجازة.

      جـ- الأرض التي تستغل بالمزارعة أو المساقاة:
      ذهب الحنابلة إلى أن العشر في هاتين الحالتين على كل من المالك والعامل كل بحسب نصيبه من الغلة إن بلغ نصيبه نصاباً، ومن كان نصيبه منهما أقل من نصاب فلا عشر عليه، ما لم يكن له من أرض غيرها ما يكمل به النصاب. وهذا عند الحنابلة على الرواية التي لا تجعل الخلطة مؤثرة في زكاة الزروع.
      أما على الرواية التي تجعل الخلطة مؤثرة فيها، فإذا بلغت غلة الأرض خمسة أوسق يكون فيها الزكاة فيؤخذ من كل من الشريكين عشر نصيبه، ما لم يكن أحدهما ممن لا عشر عليه، كالذمي.
      وذهب أبو حنيفة إلى أن العشر في المزارعة على رب الأرض، لأن المزارعة عنده فاسدة، فالخارج منها له، تحقيقاً أو تقديراً.
      وذهب المالكية إلى أنه يجب إخراج زكاة الحائط (البستان) المساقى عليه من جملة الثمرة إن بلغت نصاباً، أو كان لرب الحائط ما إن ضمه إليها بلغت نصاباً، ثم يقتسمان ما بقي، ولا بأس أن تشترط الزكاة في حظ رب الحائط أو العامل، لأنه يرجع إلى جزء معلوم ساقاه عليه فإن لم يشترطا شيئاً فشأن الزكاة أن يبدأ بها ثم يقتسمان ما بقي.
      وإن المساقاة تزكى على ملك رب الحائط فيجب ضمها إلى ماله من ثمر غيرها، ويزكي جميعها ولو كان العامل ممن لا تجب عليه، وتسقط إن كان رب الحائط ممن لا تجب عليه والعامل ممن تجب عليه.

      د- الأرض المغصوبة:
      ذهب الحنفية إلى أنه غصب أرضاً عشرية فزرعها إن لم تنقصها الزراعة فلا عشر على رب الأرض، وإن نقصتها الزراعة كان العشر على رب الأرض.
      وذهب المالكية إلى أن النخل إذا غصبت ثم ردت بعد أعوام مع ثمرتها، فإنها تزكى لكل عام بلا خلاف إذا رد الغاصب جميعها. فإن رد بعض ثمارها وكان حصل في كل سنة نصاب ولم يرد جميعه بل رد منه قدر نصاب فاكثر وكان بحيث لو قسم على سنين الغصب لم يبلغ كل سنة نصاباً ففي زكاته قولان.
      وذهب الحنابلة إلى أن زكاة الزرع على مالك الأرض إن تملك الرزع قبل وقت الحصاد وبعد اشتداده، وذلك لأنه يتملكه بمثل بذره وعوض لواحقه، فيستند ملكه إلى أول زرعه. أما إن حصد الغاصب الزرع بأن لم يتملكه ربها قبل حصاده، فزكاة الزرع على الغاصب لاستقرار ملكه عليه.

      - زكاة الزرع والثمر المأخوذين من الأرض المباحة:
      من أخذ من الأرض المباحة ما في جنسه الزكاة، وبلغ نصاباً.
      فقد ذهب المالكية والحنابلة إلى أنه لا زكاة عليه، وهو لمن أخذه.
      قال الحنابلة: لكن لو زرع في أرض مباحة ففيه الزكاة.
      وذهب أبو حنيفة إلى أن ثمر الجبال والمفاوز فيه العشر، إن حماه الإمام أي من أهل الحرب والبغاة وقطاع الطريق، ولو كان الشجر غير مملوك ولم يعالجه أحد، لأن المقصود النماء، وقد حصل بأخذه.

      - خرص الثمار إذا بدا صلاحها:
      ذهب جمهور الفقهاء -خلافاً للحنفية- إلى أنه ينبغي للإمام إذا بدا صلاح الثمار أن يرسل ساعياً يخرصها -أي يقدر كم سيكون مقدارها بعد الجفاف- ليعرف قدر الزكاة الواجبة على أصحابها، وذلك لمعرفة حق الفقراء واهل استحقاق الزكاة، وللتوسعة على أهل الثمار ليخلي بينهم وبينها فيأكلوا منها فيأكلوا منها رطباً ثم يؤدون الزكاة بحساب الخرص المتقدم، وذلك عند جفاف الثمر.

      - الحيل لإسقاط الزكاة:
      أختلف الفقهاء في حكم التحيل لإسقاط الزكاة:
      فذهب الحنفية والشافعية إلى أن المالك إن فعل ما تسقط به الزكاة عنه ولو بنية الفرار منها سقطت، كمن وهب النصاب قبل الحول بيوم، ثم رجع في هبته بعد الحول، وكذا لو وهبه أثناء الحول ثم رجع أثناء الحول لانقطاع الحول بذلك، وكذا لو وهب النصاب لابنه، أو استبدل نصاب السائمة بآخر.
      ويكره هذا عند الحنفية لأن فيه إضراراً بالفقراء وإبطال حقهم مآلاً. وعند الشافعية: الفرار مكروه في المعتمد.
      وذهب المالكية والحنابلة إلى تحريم التحيل لإسقاط الزكاة، ولو فعل لم تسقط، كمن أبدل النصاب من الماشية بغير جنسه فراراً من الزكاة، أو أتلف او استهلك جزءاً من النصاب عند قرب الحول .. ولو فعل ذلك في أول الحول لم تجب الزكاة، لأن ذلك ليس بمظنة الفرار من الزكاة. فتؤخذ معاقبة للمحتال بنقيض قصده، والذي يؤخذ منه على ما بينه المالكية هو زكاة المبدل، ولا تؤخذ منه زكا البدل إن كانت أكثر لأنها لم تجب.

      - قدر المأخوذ في زكاة الزروع والثمار:
      يؤخذ في زكاة الزروع والثمار عشر الخارج أو نصف عشره. فالعشر اتفاقاً فيما سقي بغير كلفة، كالذي يشرب بماء المطر أو بماء الأنهار سيحاً، أو بالسواقي دون أن يحتاج إلى رفعه غرفاً أو بآلة، أو يشرب بعروقه، وهو ما يزرع في الأرض التي ماؤها قريب من وجهها تصل إليه عروق الشجر فيستغني عن السقي.
      ويجب فيما يسقى بكلفة نصف العشر، سواء سقته النواضح أو سقي بالدوالي، أو السواني أو الدواليب أو النواعير أو غير ذلك. وكذا لو مد من النهر ساقية إلى أرضه فإذا بلغها الماء احتاج إلى رفعه بالغرف او بآلة. والضابط لذلك أن يحتاج في رفع الماء إلى وجه الأرض إلى آلة أو عمل.
      واستدل لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عشرياً العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر" رواه البخاري والحكمة في تقليل القدر الواجب فيما فيه عمل أن لكلفة أثراً في تقليل النماء.
      ولو احتاجت الأرض إلى ساق يسقيها بماء الأنهار أو الأمطار، ويحول الماء من جهة إلى جهة، أو احتاجت إلى عمل سواق أو حفر أنهار لم يؤثر ذلك في تقليل النصاب.
      وإن سقيت الأرض نصف الوقت بكلفة ونصفها بغير كلفة فالزكاة ثلاثة أرباع العشر اتفاقاً، وإن سقيت بأحدهما أكثر من الآخر فالجمهور على اعتبار الأكثر، ويسقط حكم الأقل، وقيل: يعتبر كل منهما بقسطه.

      - ما يطرح من الخارج قبل أخذ العشر أو نصفه:
      ذهب الحنفية إلى أن العشر أو نصفه على التفصيل المتقدم يؤخذ من كل الخارج، فلا يطرح منه البذر الذي بذره ولا أجرة العمال أو كري الأنهار أو أجرة الحافظ ونحو ذلك بل يجب العشر في الكل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بتفاوت الواجب لتفاوت المؤنة، ولو رفعت المؤنة لكان الواجب بنفس المقدار، واستظهر الصيرفي أن الواجب إن كان جزءاً من الخارج فإنه يجعل كالهالك وتجب الزكاة في الباقي.
      وذهب الحنابلة إلى أن النفقة على الزرع إن كانت ديناً يسقطها مالكه منه قبل احتساب العشر، قال أحمد: من استدان ما أنفق على زرعه واستدان ما أنفق على اهله، احتسب ما أنفق على زرعه دون ما أنفق على اهله. قالوا : وذلك لأنه من مؤنة الزرع، فالحاصل في مقابلته يجب صرفه إلى غيره، فكأنه لم يحصل، وهذا بخلاف سائر الديون فإنها لا تسقط من الحاصل لأنه من الأموال الظاهرة.
      وشبيه بمؤنة الزرع عند الحنابلة خراج الأرض فإنه يؤخذ من الغلة قبل احتساب الزكاة فيها.

      - ما يلزم المالك فعله قبل إخراج القدر الواجب:
      يؤخذ القدر الواجب من الغلة بعد التجفيف في الثمار والتصفية في الحبوب، لأنه أوان الكمال وحال الادخار، والمؤونة على الثمرة إلى حين الإخراج لازمة لرب المال، لأنه في حق الغلة، كالحفظ في حق الماشية، ولا يحق للساعي أخذه رطباً.
      ولو أخرج رب المال العشر رطباً لم يجزئه. نص على ذلك الحنابلة.
      ويستثنى من ذلك أحوال:
      منها: أن يضطر إلى قطع الثمرة قبل كمالها خوفاً من العطش، أو إلى قطع بعضها، فيجوز له ذلك، ومثل ذلك أن يكون قطعها رطبة أنفع وأصلح.
      ومنها: أن يكون الثمر مما لا يجف بل يؤكل رطباً كبعض أنواع العنب والتمر والفول ونحوها، فتجب فيه الزكاة حتى عند من قال بأن من شرط ما يزكى الادخار، وذلك لأنه يدخر من حيث الجملة.
      وفي كلتا الحالتين: يجوز أخذ حق الفقراء رطباً، وإن أتلفها رب المال فعليه القيمة ويجوز إخراج قدر الزكاة من الجنس جافاً إن شاء رب المال.
      وقال المالكية: يجب عشر الثمن إن بيع وإلا فالقيمة.
      والزيتون عند من قال تؤخذ منه الزكاة، إن كان من الزيتون الذي يعصر منه الزيت يؤخذ العشر من زيته بعد عصره، ولو كان زيته قليلاً، لأنه هو الذي يدخر فهو بمثابة التجفيف في سائر الثمار. وإن كان يدخر حباً، فيؤخذ عشره حباً إذا بلغ الحب خمسة أوسق. وهذا مذهب المالكية والحنابلة. قال مالك: إذا بلغ الزيتون خمسة أوسق أخذ الخمس من زيته بعد أن يعصر.
      وذهب أبو حنيفة إلى أنه يخرج العشر منه حباً على كل حال.

      زكاة العسل والمنتجات الحيوانية:
- نصاب العسل.
      ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن العسل تؤخذ منه الزكاة، وورد أن أبا سيارة المنعي قال: "قلت: يا رسول الله إن لي نحلاً، قال: أد العشر، قلت: يا رسول الله: أحمها لي. فحماها له" رواه ابن ماجه. وأخذ عمر من العسل العشر.
      وذهب المالكية والشافعية إلى أن العسل لا زكاة فيه.
      ثم ذهب الحنفية إلى أنه يشترط أمران:
      الأول: أن لا يكون النحل في أرض خراجية، لأن الخراجية يؤخذ منها الخراج، ولا يجتمع عندهم عشر وخراج.
      الثاني: إن كان النحل في أرض مفازة أو جبل غير مملوك فلا زكاة فيه إلا إن حفظه الإمام من اللصوص وقطاع الطرق.

      نصاب العسل:
      قال الحنابلة: نصابه عشرة أفراق (والفرق مكيال يسع 16 رطلاً عراقياً من القمح)
      وقيل: عندهم النصاب ألف رطل.
      وقال أبو حنيفة: تجب الزكاة في قليله وكثيره.
      أما ما عدا العسل فقد نص الحنفية والحنابلة والشافعية على أنه لا زكاة في الحرير ودودة القز.

      زكاة الخارج من الأرض غير النبات (الركاز):
      قد يستخرج من الأرض غير النبات الذهب أو الفضة أو غيرهما من المعادن التي تنطبع كالنحاس والحديد والزئبق أو لا تنطبع كالنفط والقار والفحم وغيرها. وكل ذلك قد يكون مخلوقاً في الأرض بفعل الله تعالى، أو يكون مما وضعه فيها الآدميون كالكنوز التي يضعها أهلها في الأرض ثم يبيدون وتبقى فيها.
ويرى الحنفية أن اسم (الركاز) شامل لكل ذلك، ويرى الحنابلة أن اسم الركاز خاص بما هو مركوز في الأرض خلقة.
      ويؤخذ الخمس من ذلك أو ربع العشر على اختلاف وتفصيل عند الفقهاء، وقد اختلفوا فيما يؤخذ أهو زكاة تصرف في مصارفها أو فيء يصرف في مصارفه.


مشاركة الموضوع

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More