التسميات

الموسيقى الصامتة

Our sponsors

25‏/12‏/2014

كتاب الشركات









الشركات

- تعريف الشركة
- مشروعية الشركة
- حكمة تشريع الشركة
- أقسام الشركة

- شركة العنان:
      - تعريف شركة العنان
      - حكم شركة العنان
      - شروط شركة العنان عند الحنفية
      - حكم شركة العنان بالتبر والنقرة عند الحنفية
      - حكم شركة العنان إذا كان رأس المال فلوساً
      - حكم شركة العنان إذا كان رأس المال من المكيلات أو الموزونات أو العدديات المتقاربة
      - جواز الشركة مع تساوى المالين والتفاوت في نسبة الربح
      - جواز التساوي في الربح مع التفاوت في رأس المال
      - كيف توزع الخسارة؟
      - بيان ما يترتب على شركة العنان من آثار
      - شروط شركة العنان عند الشافعية
      - شروط شركة العنان عند الحنابلة
      - شروط شركة العنان عند المالكية
     
- شركة المفاوضة:
      - تعريف المفاوضة
      - حكم المفاوضة
      - أدلة الجمهور على بطلانها
      - أدلة الحنفية على صحتها
      - شروط صحة شركة المفاوضة عند الحنفية
      - ما يترتب على شركة المفاوضة من الآثار

- شركة الأبدان:
      - تعريف شركة الأبدان
      - حكم شركة الأبدان
      - أدلة جواز شركة الأبدان
      - شروط صحة شركة الأبدان
      - ما يترتب على شركة الأبدان من الآثار
     
- شركة الوجوه:
      - تعريف شركة الوجوه
      - حكم شركة الوجوه
      - شروط صحة شركة الوجوه
      - ما يترتب على شركة الوجوه من الآثار

- فساد عقد الشركة:
      - فساد عقد الشركة عند الشافعية وما يترتب عليه
      - فساد عقد الشركة عند الحنفية وما يترتب عليه

- شركة المضاربة (القِراض)
      - تعريف شركة المضاربة
      - مشروعية المضاربة ودليلها
      - حكمة مشروعية المضاربة (القِراض)
      - ركن المضاربة
      - أنواع المضاربة
      - شروط المضاربة:
                  1- شروط العاقدين
                  2- شروط رأس المال
                  3- شروط الربح
      - يد المضارب
      - ما ليس للمضارب فعله
      - على من تكون الخسارة
      - متى يملك العامل حصته من الربح
      - ما يطرأ من النقص على رأس المال
      - انتهاء عقد المضاربة

- الشركات الحديثة:
      - شركة التضامن
      - شركة التوصية البسيطة
      - شركة المحاصة
      - شركة المساهمة
      - شركة التوصية بالأسهم
      - شركة ذات المسؤولية المحددة

      - شركات السيارات.
      - شركة البهائم.




      1- تعريف الشركة لغة واصطلاحاً:
      الشركة لغة: بكسر الشين وسكون الراء، أو بفتح الشين وكسر الراء وسكونها هي الاختلاط، سواء أكان بعقد أم بغير عقد، وسواء أكان في الأموال أم في غيرها، قال الله تعالى: {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12] وقال سبحانه خطاباً لإبليس: {وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ} [الإسراء: 64] وقال سبحانه على لسان موسى عليه السلام: {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه: 32].
      الشركة اصطلاحاً:
      عرّف الحنابلة الشركة: هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف. والذي يظهر من التعريف أن الشركة عندهم قسمان وهما الشركة في الاستحقاق، والشركة في التصرف.
      وعرّف المالكية الشركة: هي إذن في التصرف لهما مع أنفسهما، أي أن يأذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في أن يتصرف في مال لهما مع بقاء حق التصرف لكل منهما.
      وعرّف الشافعية الشركة: الشركة ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع هذا بمعناها العام، وأما الشركة بمعناها الخاص فقد عرفها الشافعية بأنها: العقد الذي يحدث بالاختيار بقصد التصرف وتحصيل الربح.
      وعرّف الحنفية الشركة: هي عبارة عن عقد بين المتشاركين في الأصل والربح.
     
      2- مشروعية الشركة:
      قد ثبت جواز الشركة ومشروعيتها من حيث هي بالكتاب والسنة والإجماع.
      أما القرآن الكريم: فقوله تعالى في ميراث الإخوة من الأم: {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} وقوله سبحانه في قصة داود مع الخصمين: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [ص: 24] والخلطاء الشركاء، وهذا وإن كان شرع من قبلنا، فإن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا لم يأت في شريعتنا ما ينسخه. هذا عند جمهرة من العلماء.
      وأما السنة:
      1- فالحديث القدسي الذي أخرجه أبو داود والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عزّ وجل: "أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما" ومعنى الحديث: أنا معهما بالحفظ والإعانة، فأمدهما بالمعونة في أموالهما، وأنزل البركة في تجارتهما، فإذا وقعت بينهما الخيانة رفعت البركة والإعانة عنهما، وهو معنى خرجت من بينهما.
      2- خبر السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ المخزومي أنه كان شريك النبي صلى الله عليه وسلم قبل المبعث في التجارة، فلما جاء إليه يوم الفتح قال: مرحباً بأخي وشريكي، لا يداري ولا يماري - أي لا يخالف ولا ينازع -، وهذا من الرسول عليه الصلاة والسلام تقرير للشركة.
      3- إقرار الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد بعث الرسول عليه الصلاة والسلام، وهاجر إلى المدينة، ووجد الناس يتعاملون بالشركة فأقرهم ولم ينههم. روي أن البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين، فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما أنّ ما كان بنقد فأجيزوه، وما كان نسيئة فردّوه"
      الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة، وإنما اختلفوا في جواز أنواع منها كما سيأتي.

      3- حكمة تشريع الشركة:
      الحكمة من تشريع الشركة بوجه عام هو وجود الحاجة الماسة إليها، لذلك أجازها الإسلام سداً لهذه الحاجة، وتحقيقاً للتعاون البناء بين أفراد المجتمع، إذ من الناس من يكون عنده المال، ولكنه لم يوهب من الطاقة والقدرة ما يمكنه من أن يقوم وحده بإدارة أمواله وأعماله، إنه يحسن المساهمة في العمل، ولكنه لا يستطيع أن ينفرد به.
      ومن الناس من يكون على العكس من ذلك، لديهم القدرة على الأعمال، ولكنهم ذوو مال قليل، أبطأت به قلة المال عن التسابق في ميدان الكسب.
      فبالشركة يجد الفريق الأول من الناس من يعاونه، ويجد الفريق الثاني من يمده بالمال، ويتحقق من التعاون بين الفريقين المصلحة لهما، وبالشركة بينهما تتعاون القدرات والأموال في تنمية الموارد وتلبية الحاجات.

      4- أقسام الشركة:
      الشركة قسمان: شركة أملاك وشركة عقد
      آ- شركة الملك:
      هي أن يملك اثنان أو أكثر عيناً إرثاً، أو شراء أو اتهاباً أو وصية أو نحو ذلك.
      وهذه الشركة منها ما يكون إجبارياً، وهو ما لا يكون بفعل الشريكين كالإرث، ومنها ما يكون اختيارياً. وهو ما يكون بفعل الشريكين كما في الشراء، وقبول الهدية والهبة والوصية.
      وحكم هذه الشركة بنوعيها: هو أن، كل واحد من الشريكين أجنبي في نصيب وقسط صاحبه، فلا يجوز له أن يتصرف فيه إلا بإذنه، كما في مال غيره من الأجانب، إذ لا ولاية لأحدهما في نصيب الآخر.
     
      ب- شركة العقد:
      شركة العقد هذه هي المقصودة ببحث الشركة عند الفقهاء:
      ذكر فقهاء الحنابلة لشركة العقد خمسة أنواع، وهي: شركة العنان، وشركة المفاوضة، وشركة الأبدان، وشركة الوجوه، وشركة المضاربة.
      وذكر الحنفية لشركة العقد ستة أنواع، وهي شركة الأموال، وشركة الأعمال، وشركة الوجوه، وكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة إما مفاوضة أو عنان.
      وذكر الشافعية والمالكية لشركة العقد أربعة أنواع، وهي: شركة العنان، وشركة المفاوضة، وشركة الأبدان، وشركة الوجوه.




شركة العنان

      تعريف شركة العنان:
      آ- هي أن يشترك شخصان في مال لهما على أن يتجرا به والربح بينهما: وشركة العنان هذه جائزة بإجماع الفقهاء: وإنما اختلفوا في بعض شروطها.

      حكم شركة العنان، وشروطها عند الحنفية:
      آ- حكم شركة العنان:
      شركة العنان هذه جائزة عند جميع الفقهاء، وإن كانوا قد اختلفوا في بعض شروطها.

      ب- شروط شركة العنان عند الحنفية:
      اشترط الحنفية لصحة شركة العنان شروطاً هي كما يلي:
      1- أن يكون المعقود عليه قابلاً للوكالة، لأن من حكم الشركة ثبوت الاشتراك في المستفاد بالتجارة، ولا يصير المستفاد مشتركاً بينهما إلا أن يكون كل واحد وكيلاً عن صاحبه في النصف، وأصيلاً في النصف الآخر، فصار كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه بمقتضى عقد الشركة. فلا تصح في مباح كاحتطاب واحتشاش واصطياد، فإن الملك في كل ذلك لمن باشر السبب.
      2- أن يكون الربح معلوم القدر، بأن تكون حصة كل شريك من الربح نسبة معلومة منه، كخمسه أو عشره، فإن كان الربح مجهولاً فسدت الشركة، لأن الربح هو المعقود عليه، وجهالة المعقود عليه تستوجب فساد العقد.
      3- أن يكون الربح جزءاً شائعاً في الجملة غير معين، فإن عينا ربحاً معيناً كعشرة أو مائة كانت الشركة فاسدة، لأن العقد يقتضي تحقق الاشتراك في الربح، ومن الجائز أن لا يحصل ربح إلا بالمقدار المعين لأحد الشريكين، فكان التعيين منافياً لمقتضى عقد الشركة.
      وهذه الشروط الثلاثة تجري في شركات العقود جميعها.
      4- أن يكون رأس مال الشركة عيناً حاضراً عند الشراء، فلا يجوز أن يكون رأس المال ديناً، ولا مالاً غائباً، لأن المقصود من الشركة الربح، وذلك بواسطة التصرف، والتصرف لا يمكن إلا بالعين الحاضرة، فلا يتحقق المقصود من الشركة في حال غياب المال، ولأن المدين قد لا يدفع الدين، وقد لا يستطيع الشريك إحضار المال الغائب.
      وعلى هذا: لو دفع إنسان لآخر ألف دينار، وقال له: أخرج مثلها واشتر بها وبع، فما ربحت يكون بيننا مناصفة، فأخرج ألفاً واشترى بها وأقام البينة على ذلك جاز.
      فالمهم هو حضور المال عند الشراء، ولا يشترط عند العقد، لأن الشركة تتم بالشراء، فيعتبر الحضور عند ذاك.
      ولا يشترط خلط المالين لأنَّ الشركة تشتمل على الوكالة، فما جاز التوكيل به جازت الشركة فيه، والتوكيل جائز في المالين قبل الخلط، فكذا الشركة، قالوا: وإنما كان ما هلك قبل الاختلاط من نصيب صاحبه خاصة، لأن الشركة لا تتم إلا بالشراء، فما هلك قبله هلك قبل تمام الشركة، فلا تعتبر، حتى لو هلك بعد الشراء بأحدهما كان الهالك من المالين جميعاً، لأنه هلك بعد تمام العقد.
      5- أن يكون رأس المال الشركة أثماناً مطلقة - وهي التي لا تتعين بالتعيين - وهي الدراهم والدنانير، ومثل الدنانير النقود المتداولة الآن، فلا تصح شركة العنان في العروض - وهي الأمتعة - واحتجوا على ذلك بأمرين.
      الأول: أن الشركة في العروض تؤدي إلى جهالة الربح عند القسمة، لأن رأس المال يكون قيمة العروض لا عينها، والقيمة مجهولة لأنها تعرف بالحزر والظن، فيصير مجهولاً، فيؤدي إلى المنازعة عند القسمة وهذا المعنى لا يوجد في الدراهم والدنانير، لأن رأس المال عند القسمة في الدراهم والدنانير عينها، فلا يؤدي إلى جهالة الربح.
      الثاني: أنه يؤول إلى ربح ما لا يضمن، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن. رواه الترمذي.

      حكم الشركة بالتبر والنقرة عند الحنفية:
      التبر: ما كان من الذهب غير مضروب.
      النقرة: القطعة المذابة من الذهب والفضة.
      لقد اشترط الحنفية أن يكون رأس المال أثماناً مطلقة، وبناء على ذلك هل يصح عندهم أن يكون رأس المال تبراً أو نقرة؟
      اختلفت الرواية في ذلك، فبعضهم عدها سلعة تتعين بالتعين فلا يصح أن تكون رأس مال في الشركة. وبعضهم عدها كالأثمان المطلقة فيصح أن تكون رأس مال شركة.
      والصحيح أنه إن جرى التعامل بها بين الناس جاز، وإلا فلا يجوز.
     
      هل هناك طريقة لصحة الشركة فيما إذا كان أحدهما يملك نقداً والآخر عروضاً؟
      ذكر الحنفية طريقة لصحة الشركة فيما إذا كان أحد الشريكين يملك نقداً، والآخر يملك عروضاً، وتلك الطريقة هي أن يبيع صاحب العروض نصف ما يملك من العروض بنصف نقد ما يملك صاحب النقد، فتصبح الشركة بينهما شركة ملك، ثم يعقدان بينهما عقد شركة العنان، فيصبحان شريكين.
      ولقائل أن يقول: كيف صحت شركة العنان مع أن قسماً من المال كان عروضاً، والجواب على ذلك أنها صحت في النقد أصالة وفي العروض تبعاً، ورب شيء لا يصح بالأصالة ولكنه يصح بالتبع، كبيع الشرب تبعاً للأرض.

      حكم الشركة إذا كان رأس المال فلوساً:
      الفلوس: جمع فلس وهو قطعة مضروبة من النحاس يتعامل بها الناس، ومثلها ما يتعامل الناس به الآن، من النقود المصنوعة من غير النحاس من المعادن كالنيكل.
      ذهب أحد أصحاب أبي حنيفة إن الفلوس الرائجة يصح أن تكون رأس مال للشركة، لأن الفلوس تروج رواج الأثمان فالتحقت بالنقود، فكانت من الأثمان المطلقة، ويبنى على جعلها أثماناً مطلقة مسألتين:
      إحداهما: أنها لا تتعين بالتعيين.
      ثانيهما: أنه لا يصح بيع الفلس بفلسين بأعيانها.

      حكم الشركة إذا كان رأس المال من المكيلات أو الموزونات أو العدديات المتقاربة:
      المكيلات: كالبر والشعير والعدس وما أشبه ذلك.
      والموزونات: كالنحاس والحديد والرصاص وما أشبه ذلك.
      والمعدودات المتقاربة: كالبيض والجوز وما أشبه ذلك.
      فهذه الأشياء هل يصح أن تكون رأس مال للشركة؟
      لقد اتفق فقهاء الحنفية في أمور واختلفوا في أمور:
      اتفقوا: 1- على أنه لا تصح الشركة قبل خلط رأس المال بعضه مع بعض، لأنها إنما تتعين
             بالتعيين إذا كانت عيناً فكانت كالعروض.
            2- على أنه لا تصح الشركة بعد الخلط إذا كانت الأموال من جنسين مختلفين كبر
             وشعير مثلاً، لأن الحنطة إذا خلطت بالشعير خرجت من أن تكون ثمناً بدليل
             أن مستهلكها يضمن قيمتها لا مثلها.
      واختلفوا: فيما إذا كانت من جنس واحد وخلط بعضها ببعض، وذهبوا إلى رأيين:
      فذهب الرأي الأول إلى أنها لا تصح، وإنما تصير بهذا الخلط شركة ملك، ووجه قوله هو أنه متمش مع الأصل الذي بنى عليه الحنفية من أن هذه الأشياء ليست أثماناً على كل حال، بل تكون تارة ثمناً وتارة مبيعاً وأنها تتعين بالتعيين فكانت كالعروض.
      وذهب الرأي الثاني إلى أن الشركة تصح بعد الخلط وتكون شركة عقد، لأن هذه الأشياء ثمن من وجه حتى جاز البيع بها ديناً في الذمة، ومبيع من وجه من حيث إنها تتعين بالتعين فعمل بالشبهين بالإضافة إلى الحالين، الخلط وعدمه، فلشبهما بالمبيع قلنا لا تجوز الشركة فيها قبل الخلط ولشبهها بالثمن قلنا تجوز الشركة فيها بعد الخلط.
      والرأي الأول أوجه، لأنها تتعين بالتعيين قبل الخلط وبعده.
      وبعد فهل من ثمرة عملية تترتب على هذا الخلاف؟
      ذكر فقهاء الحنفية أن فائدة الخلاف بين الرأيين تظهر فيما إذا استويا في رأس المال واشترطا التفاوت في الربح.
      فعند الرأي الأول يكون الربح بينهما على مقدار ماليهما لا على حسب ما اشترطا.
      وعند الرأي الثاني يكون الربح بينهما على حسب ما شرطا.
     
      جواز الشركة مع تساوي المالين والتفاوت في نسبة الربح:
      إذا تساوى المالان في الشركة. وجعل لأحد الشريكين زيادة من الربح على رأس ماله فهل يصح ذلك؟
      نقول في الجواب على هذا السؤال: إننا أمام صور ثلاث لذلك، بعضها يصح وبعضها لا يصح، وإليك بيان هذه الصور:
      الصورة الأولى: إذا تساوى المالان وشرط الشريكان العمل عليهما جميعاً، ففي هذه الصورة يجوز شرط الزيادة، ويكون الربح بينهما على ما شرطا.
      الصورة الثانية: إذا تساوى المالان وشرط الشريكان العمل على أحدهما، وكانت الزيادة للذي شرط عليه العمل.
      ففي هذه الصورة يجوز شرط الزيادة أيضاً، ويكون الربح بينهما على ما شرطا.
      الصورة الثالثة: إذا تساوى المالان، وشرط العمل على أحدهما، ولكن شرطت الزيادة في الربح للشريك الآخر.
      ففي هذه الصورة لا يجوز ذلك.
      وفي قول عند الحنفية إنه لا يجوز اشتراط زيادة في الربح على رأس المال.

      جواز التساوي في الربح مع التفاوت في رأس المال:
      أ- فإذا كان المالان متفاوتين وشرطا العمل على كل منهما جاز ذلك، ويكون الأمر على ما شرطا، لأن هذه الزيادة قد يستحقها بزيادة في العمل.
      ب- وإن شرطا العمل على من كان رأس ماله أقل، جاز أيضاً عندهم، لأنه استحق الزيادة بعمله.
      جـ- وإن شرطا العمل على من كان رأس ماله أكثر، فلا يجوز، لأن زيادة الربح في حق صاحب الأقل لا يقابلها مال ولا عمل ولا ضمان.
     
      كيف توزع الخسارة؟ :
      توزع الخسارة بين الشركاء على حسب رأس المال، دون نظر إلى مقدار عملهم فيها، أو شرطهم، إذا كان هناك شرط مخالف لذلك، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الربح على ما شرطا والوضيعة على قدر المالين".
     
      بيان ما يترتب على شركة العنان من آثار:
      إذا وقعت شركة العنان مستوفية شروطها ترتب عليها الأمور التالية:
      1- تطلق يد الشركاء في مال الشركة بموجب الوكالة، ويجب عليهم العمل على حسب اتفاقهم.
      2- إذا اشترى أحدهم للشركة شيئاً نفذ عليهم جميعاً لقيام الوكالة، إلا أن البائع لا يطالب غير المشتري من الشركاء، لخلو العقد عن الكفالة، ويقبل من الشريك هذا الشراء، سواء أكان نقداً أو نسيئة، بثمن المثل أو بغبن يسير، ما دام ذلك من عادات التجار.
      وكذلك كل ما كان من عادات التجار فإنه يباح لهم، كالتوكيل بالبيع والرهن والمضاربة.
      3- يوزع الربح بين الشركاء على حسب شرطهم في العقد، دون نظر إلى مقدار رأس مالهم.
      4- توزع الخسارة بين الشركاء بحسب رأس المال كما سبق ذكره.
      5- إذا هلك مال الشركة كله بطلت الشركة لفقدان محلها، كالبيع إذا هلك فيه المبيع.
      أما إذا هلك مال أحد الشريكين فقط، فإن كان ذلك بعد خلط مال الشريكين أو بعد الشراء بهما فإنها لا تبطل، ويعتبر القسم الهالك مضموناً على الشركة. وإن كان هلاكه قبل الشراء أو قبل الخلط، كان الهالك مضموناً على صاحبه خاصة، ثم إن كان المال الثاني لم يشتر به للشركة بطلت الشركة، وإن كان قد اشترى به قبل هلاك الأول، كان المشترى شركة، ويرجع صاحب المال على شريكه، بمقدار حصته في الشركة.
      وإن كان قد اشترى به بعد هلاك المال الأول، فإن كان العاقدان صرحا في عقد الشركة بالوكالة، كان المشترى شركة بينهما على ما شرطا في أصل المال، وإن لم يكونا قد صرحا بالوكالة في عقد الشركة كان المشترى لصاحب المال الباقي خاصة.
     
      شروط شركة العنان عند الشافعية:
      لقد اشترط الشافعية لصحة شركة العنان شروطاً هي:
      1- أن يكون هناك صيغة: وهي لفظ يدل على الإذن بالتصرف، من كلّ منهما للآخر، فلا يكفي الاقتصار على قولهم اشتركنا على الأصح، لاحتمال كون ذلك إخباراً عن حصول الشركة في المال، ولا يلزم من حصولها جواز التصرف بدليل المال الموروث، فإنه تقع فيه الشركة، ولا يقع فيه جواز التصرف، وعلى ذلك لا يصح لكل واحد من الشريكين أن يتصرف إلا في نصيبه.
      والقول الثاني عند الشافعية أن يكفى ذلك لفهم المقصود منه عرفاً.
      2- أن يكون كل من العاقدين أهلاً للتوكيل: لأن كل واحد منهما يتصرف في ماله بالملك، وفي مال الآخر بالإذن، فكل منهما موكِّل وموكِّل.
      3- أن يكون المال مثلياً: كالدراهم والدنانير والبر والشعير والحديد وما أشبه ذلك. فلا تصح بمتقوِّم كالثياب وما أشبهها. ووجه الصحة فيما عدا النقدين من المثليات أنه إذا اختلط بجنسه ارتفع التمييز بينهما فأشبه النقدين.
      ووجه عدم الصحة في المتقوّمات أنها أعيان متميزة فلا يمكن الخلط، وحينئذ فقد يتلف مال أحدهما أو ينقص فلا يمكن قسمة الآخر بينهما.
      وهل التبر من المثلي أو المتقوم؟ الصحيح أنه من المثلي فيجوز أن يكون رأس مال للشركة.
      وهناك قول عند الشافعية أنها لا تصح الشركة إلا بالنقد المضروب الخالص من الدراهم والدنانير.
      4- خلط المالين بحيث لا يتميزان: ولابدّ من كون الخلط قبل العقد، فإن وقع بعد العقد ولو في المجلس لم يكف. وتكون الشركة فاسدة.
      وعلى هذا لا يكفي الخلط مع اختلاف الجنس كدراهم بدنانير، أو الصفة كدنانير صحيحة ومكسرة، وحنطة جديدة وحنطة قديمة أو بيضاء وسوداء، لإمكان التمييز بين المالين. وإن كان يعسر التمييز في بعضها.
      واشتراط الخلط مشروط إذا أخرجا مالين وعقدا عليهما، فإن ملكا مالاً مشتركاً مما تصح فيه الشركة أو مما لا تصح فيه الشركة كالعروض، إن ملكا ذلك بإرث أو شراء أو غيرهما وإذن كل منهما للآخر بالتجارة فيه تمت الشركة، لأن المقصود من الخلط حاصل وهو عدم التمييز.
      ومن هنا يذكر الشافعية حيلة لصحة جريان الشركة في العروض، وهي أن يبيع كل واحد منهما بعض عرضه ببعض عرض الآخر ويأذن له في التصرف.
      5- أن يكون الربح والخسران على قدر المالين: سواء تساويا في العمل أم تفاوتا، لأن الربح ثمرة المالين، فكان الربح على قدرهما، كما لو كان بينهما شجرة فأثمرت أو شاة فأنتجت.
      والعبرة في المال بالقيمة لا بالأجزاء، فلو خلطا قفيزاً من حنطة متقوماً بمائة، بقفيز من حنطة متقوم بخمسين، فقسمة الربح بينهما تكون ثلثين للأول، وثلثاً للثاني. وكذلك الخسران.
      فإن شرطا خلاف ذلك بأن اشترطا التساوي في الربح أو الخسران مع تفاوت المال، أو شرطا التفاوت في الربح أو الخسران مع التساوي في قيمة المال فسد العقد، ويرجع كل منهما على الآخر بأجرة عمله في ماله، كشركة المضاربة إذا فسدت، وتنفذ التصرفات منهما لوجود الإذن، ويكون الربح على قدر المالين.
      شروط شركة العنان عند الحنابلة:
      اشترط الحنابلة لصحة شركة العنان ما يلي:
      1- أن يكون كل من العاقدين أهلاً للتوكيل، لأن شركة العنان مبنية على الوكالة والأمانة، لأن كل واحد منهما بدفع المال إلى صاحبه أمّنه، وبإذنه له في التصرف وكّله.
      2- أن يأذن كل واحد لصاحبه في التصرف، فإن أذن له مطلقاً في جميع التجارات تصرف فيها، وإن عين له جنساً أو نوعاً أو بلداً تصرف فيه دون غيره، لأنه متصرف بالإذن، فيتعين في حقه كالوكيل.
      3- أن يكون رأس المال الدراهم والدنانير، لأنها قيم الأشياء وأثمان البياعات، وعلى هذا الشرط لا يصح أن يكون رأس مال الشركة واحداً مما يلي:
      أ- عروض التجارة: فلا تجوز الشركة فيها في ظاهر المذهب، وعللوا ذلك بأن الشركة في العروض إما أن تقع على أعيانها أو قيمتها أو أثمانها.
      لا يجوز وقوعها على أعيانها لأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله، وهذه لا مثل لها فيرجع إليه، وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر، فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع رأس المال، وقد تنقص قيمته فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح.
      ولا يجوز وقوعها على قيمتها، لأن القيمة غير متحققة القدر فيفضي إلى التنازع، وقد يقوَّم الشيء بأكثر من قيمته، ولأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه، فيشاركه الآخر في العين المملوكة له.
      ولا يجوز وقوعها على أثمانها، لأنها معدومة حال العقد ولا يملكانها، ولأنه إن أراد ثمنها الذي اشتراها به فقد خرج الثمن عن ملكه وصار ملكاً للبائع وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به فإنها تصير شركة معلقة على شرط - وهو بيع الأعيان - ولا يجوز ذلك.
      هذا وهناك رواية عن أحمد بجواز جعل العروض رأس مال للشركة، وتجعل قيمتها وقت العقد رأس مال.
      ب- لا تصح الشركة بالنقرة، لأن قيمتها تزيد وتنقص، فحكمها حكم العروض.
      جـ- لا تصح الشركة بالفلوس، وحكمها في الخلاف كحكم العروض، فإذا قلنا بجوازها فلا فرق أن تكون نافقة أو غير نافقة، فإن كانت نافقة كان رأس المال مثلها، وإن كانت كاسدة كانت قيمتها كالعروض.
      د- لا تصح الشركة بالمغشوش من الدراهم والدنانير، لأن قيمتها تزيد وتنقص، اللهم إلا إذا كان الغش قليلاً جداً لمصلحة فلا يضر.
      4- أن يكون رأس المال معلوماً: فلا يجوز أن يكون رأس مال الشركة مجهولاً أو جزافاً، لأنه لابدّ من الرجوع به عند الرجوع عند المفاصلة، ولا يمكن الرجوع مع الجهل والجزاف.
      5- أن يكون رأس المال حاضراً: فلا يجوز بمال غائب ولا دين، لأنه لا يمكن التصرف فيه بالحال، وهو مقصود الشركة.
      هذا ومن خلال ما تقدم من الشروط نستفيد الأمور التالية:
      1- لا يشترط لصحتها اتفاق المالين في الجنس، ومن أجل ذلك لا يشترط خلط المالين، خلافاً ما ذهب إليه الشافعية، لأنهما من جنس الأثمان، فتصح الشركة فيهما كالجنس الواحد.
      2- لا يشترط تساوي المالين في القدر، بل يجوز تفاوتهما.
      3- يجوز أن يجعلا الربح على قدر المالين، ويجوز أن يتساويا في الربح مع تفاضلهما في المال، ويجوز أن يتفاضلا في الربح مع تساويهما في المال. وإلى هذا ذهب الحنفية كما مر، خلافاً للشافعي ومالك.

      شروط شركة العنان عند المالكية:
      اشترط المالكية لصحة شركة العنان ما يلي:
      1- أن يكون كل من الشريكين أهلاً للتوكيل والتوكّل، وذلك بأن يكون حراً بالغاً رشيداً.
      2- أن يكون هناك ما يدل على الشركة عرفاً من قول أو فعل، كأن يقول كل منهما اشتركنا أو يقوله أحدهما ويسكت الآخر، أو يقول شاركني ويرضى الآخر.
      3- إذا كان رأس مال أحدهما ذهباً أو وَرِقاً اشترط في رأس مال الآخر أن يكون كذلك، فلا تصح الشركة على ذهب من أحدهما وورق من الآخر، ويشترط أيضاً بالإضافة إلى ذلك اتفاقهما في الصرف وفي الوزن، وفي الجودة أو الرداءة، وإنما شرط ذلك لتركيب هذه الشركة من البيع والوكالة.
      4- أن يأذن كل واحد للآخر بالتصرف، وأن تطلق يد كل واحد منهما فيه، وذلك بأن تكون أيديهما عليه بأن يجعلاه في حانوت لهما، أو في يد وكيلهما.
      5- أن يكون ربح كل منهما على مقدار رأس ماله، فلا يجوز اختلافهما في الربح مع تساويهما في رأس المال.
      هذا ويستفاد من هذه الشروط الأمور التالية:
      أولاً: تصح الشركة بعين من أحدهما وبعرض من الآخر.
      ثانياً: تصح الشركة بعرضين، من كل واحد منهما عرض. مطلقاً سواء اتفقا في الجنس أو اختلفا، وتعتبر الشركة بقيمة العرض يوم أحضر للاشتراك.
      ثالثاً: لا يصح أن يكون رأس مال كل منهما طعاماً، ولو اتفقا نوعاً وصفة وقدراً، لأنه يؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه، وذلك لأن كل واحد منهما باع نصف طعامه بنصف طعام الآخر، ولم يحصل قبض لبقاء يد كل واحد منهما على ما باع، فإذا باع لأجنبي كان كل واحد منهما بائعاً لما اشتراه قبل قبضه من بائعه.
      رابعاً: لا يشترط خلط المالين، بل يكفي اشتراط التصرف في المال، كما أسلفنا.

ركن السلم و شروطه وحكمه






كتاب السلم

الفصل الأول: تعريف السلم
المبحث الأول: تعريف السلم من حيث اللغة.-تعريف السلم من حيث الإصطلاح
المبحث الثاني: حكم السلم من حيث الوصف الشرعي القائم به ودليل ذلك

 الفصل الثاني: ركن السلم وشروطه وحكمه        
المبحث الأول: ركن السلم
المبحث الثاني: شروط صحة السلم
المبحث الثالث: حكم السلم من حيث الأثر النوعي المترتب عليه 



 المبحث الأول: تعريف السلم:
تعريفه من حيث اللغة:
      السلم في اللغة السلف وزناً ومعنى. ويطلق على الاستسلام كما يطلق على شجر من العضاة. واحدة سَلمَة.
تعريفه من حيث الاصطلاح الفقهي:
      وفي الاصطلاح الفقهي "بيع آجل بعاجل" أو "دين بعين" أو هو "بيع يتقدم فيه رأس المال (الثمن) ويتأخر المثمن (المبيع) لأجَل" أو "بيع موصوف في الذمة" أو "أن يسلف عوضاً حاضراً في عوض موصوف في الذمة إلى أجل".

المبحث الثاني: حكمه من حيث الوصف الشرعي القائم به ودليل ذلك:
      اتفق الفقهاء على مشروعية السلم واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها:
      1- القرآن الكريم: فقد روي عن ابن عباس -ترجمان القرآن-رضي الله عنهما- أنه قال: أشهد أن الله تعالى أحل السلف المضمون وأنزل فيه أطول آية في كتابه، وتلا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ...} [البقرة: 282] فإن السلم نوع دين فيكون جائزاً لذلك.
      2- السنة النبوية المطهرة: فقد جاء فيها أحاديث كثيرة منها:
      أ- ما روي عن ابن عباس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث فقال: (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) متفق عليه.
      ب- ما أخرجه البخاري عن محمد بن أبي المجالد قال: (أرسلني أبو بردة وعبد الله بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزي وعبد الله بن أبي أوفى فسألتهما عن السلف فقالا: كنا نصيب المغانم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكان يأتينا أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب فقلت: أكان لهم زرع أم لم يكن لهم زرع؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك).
      جـ- إجماع الفقهاء على أن السلم جائز.

 الفصل الثاني: ركن السلم وشروطه وحكمه:
- المبحث الأول: ركن السلم:
      ركن السلم هو الصيغة التي ينعقد بها وهي الإيجاب والقبول.
      وقد اشترط جمهور الفقهاء -الحنفية والمالكية والحنابلة- في هذا الركن أن يكون بلفظ البيع، أو السلف، أو السلم، لا غير. واشترط الشافعي أن يكون بلفظ السلم لا غير. فإذا عقده بلفظ البيع لم ينعقد، ذلك أن السلم شرع على خلاف القياس، وما كان حاله كذلك اقتصر فيه على مورد النص، وقد جاء شرعه بلفظ السلم فلا يزاد عليه.
      دليل الجمهور: الاستدلال بأن السلم بيع بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث روي عنه نهيه عن بيع ما ليس عند الإنسان وترخيصه في السلم، وهو دليل على كونه نوعاً من أنواع البيع، فينعقد بلفظ البيع لذلك.
المبحث الثاني: شرائط صحته:
      يشترط لصحة السلم ما يشترط لصحة البيع عامة. وقد تقدمت، ويزاد عليها هنا شروط خاصة به لا يصح بدون توافرها جميعاً. وهذه الشروط على أنواع:
      فمنها شروط تتعلق بنفس العقد.
      ومنها شروط تتعلق بأحد البدلين.
      ومنها شروط تتعلق بالبدلين جميعاً.
      1- الشروط المتعلقة بنفس العقد:
      ذهب الجمهور -الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى أن الشروط المتعلقة بنفس العقد تعود إلى شرط واحد هو البتات، وذلك بخلو السلم عن خيار الشرط. فإذا باع سلماً واشترط لنفسه أو للمشتري خيار الشرط فسد السلم، لانعدام البتات فيه بقيام خيار الشرط ذلك أن خيار الشرط ثبت في البيع المطلق على خلاف القياس فلا يقاس عليه السلم، بل يبقى على أصل المنع فيه.
      ثم إن من شروط صحة السلم التقابض في المجلس، وخيار الشرط يمنع التقابض الكامل، لأنه يمنع ثبوت الملك فلا يصح لذلك.
      فأن اشترط خيار الشرط ثم تقابضا في المجلس قبل التفرق صح العقد لتحقق شرط الصحة.
      وذهب مالك إلى جواز الخيار مدة لا تزيد على ثلاثة أيام، لأنها قليلة، ولأنه يجوز تأخير قبض رأس المال إليها في السلم عنده كما سوف يأتي.
      2- الشروط المتعلقة برأس مال السلم:
      رأس مال السلم هو ما يدفعه المشتري من المال إلى البائع عند السلم، ويسمى دافعه رب السلم. والشروط المتعلقة به متعددة هي:
      أ- بيان جنة، بأنه دراهم، أو دنانير، أو فلوس نافقة، أو قمح ... فإذا لم يبين ذلك لم يصح للجهالة.
      ب- بيان نوعه، بأنه دراهم فتحية، أو دنانير نيسابورية، أو قمح سقي .... وذلك إذا لم يكن في البلد عرف مستقر، فإذا كان فيه عرف مستقر لم يشترط بيان النوع ويرجع فيه إلى العرف.
      جـ- بيان صفته، بأنه جيد، أو رديء، أو وسط ...
      د- بيان قدره إذا كان مما يباع بالقدر، كالمكيل، والموزون، والعددي المتقارب، والذرعي المتقارب، فإذا كان من القيميات لم يشترط بيان القدر لعدم جدواه.
      وبيان القدر يكون ببيان الكيل أو الوزن فيما يكال أو يوزن، وبيان العدد أو الذرع في العدديات المتقاربة أو الذرعيات المتقاربة، فإذا باع المكيل وزنا أو الموزون كيلاً جاز، لأن الشرط زوال الجهالة عن رأس المال، وهي تحصل بذلك.
      وقد روي عن أحمد وغيره عدم جواز ذلك لتعيينه كذلك بالشرع.
      ويشترط في القدر هنا أن يكون بالمقادير المعروفة المتداولة بين الناس، فلو قدره بمقدار خاص، فقال: بوزن هذه الحجرة، أو بكيل هذه العلبة، لم يصح لاحتمال هلاك هذه الحجرة أو العلبة، فيؤدي إلى الجهالة فلا يصح.
      هـ- ذهب جمهور الفقهاء إلى قبض رأس المال في مجلس العقد: وذلك بتسليم رأس مال السلم إليه -البائع- في مجلس العقد، فإن افترقا من غير قبض فسد السلم لانعدام أحد شرائط صحته، وهو القبض ، والمجلس هنا هو مجلس الأبدان. فإذا تفرقا في الأقوال لبعض الوقت ثم قبض المسلم إليه رأس مال السلم جاز، وكذلك إذا غادرا معاً مكان العقد باتجاه واحد مترافقين، ثم قبض رأس المال قبل التفرق بالأبدان جاز أيضاً. فإذا تفرقا ثم قبض رأس المال بعد ذلك لم يصح، لفساد السلم بالتفرق، والفاسد لا يعود إلى الصحة بعد تقرر فساده.
      وخالف مالك في رأس المال العين، فقال: لا يشترط فيه القبض لتعينه بدونه، وهو القياس إلا أن الجمهور أخذوا بالاستحسان، ذلك أن الأصل في رأس المال أن يكون ديناً، ولا يكون عيناً إلا نادراً، ولا حكم للنادر، فيلحق بالدين في الحكم كما خالف مالك في الدين أيضاً، فأجاز تأخيره إلى ثلاثة أيام ولو بشرط لأنها مدة قصيرة فإذا أخره عن ثلاثة أيام، إن كان بشرط لم يصح، وإلا فروايتان، ومن المالكية من منع التأخير مطلقاً كالجمهور.

      حالات يتخلف فيها القبض حكماً فيفسد السلم:
      وهناك حالات يتخلف فيها القبض حكماً فيفسد السلم لتخلف القبض، وهي مختلفة، من ذلك:
      أ- إذا أبرأ المسلم إليه رب السلم عن رأس مال السلم بعد العقد وقبل القبض، فإنه ينظر: إن وافق رب السلم على هذا الإبراء فسد السلم، لامتناع القبض بسقوط الدين من الذمة، وان لم يقبل رب السلم بهذا الإبراء، لم يصح الإبراء، والسلم على حاله، إن تفرقا قبل القبض فسد، وإلا صح.
      وهذا بخلاف الإبراء عن المسلم فيه، فإنه لا يؤثر في صحة السلم لعدم اشتراط قبضه لصحة السلم.
      ب- الاستبدال برأس مال السلم قبل قبضه، كما لو قبل المسلم إليه أخذ شيء من غير جنس رأس مال السلم بدلاً منه، فإنه يفسد السلم لعدم قبض رأس ماله، ذلك أن المقبوض هنا بدله وليس هو، فتخلف القبض ففسد. فإذا استبدله بشيء من جنسه ولكنه أردأ منه، أو أجود منه، فإنه يجوز لاتحاد الجنس.
      جـ- أخذ كفيل برأس مال السلم أو قبول الحوالة فيه ثم التفرق قبل القبض، كما لو أحال رب السلم المسلم إليه برأس مال السلم على رجل آخر. فإن كان حاضراً وقبض المسلم إليه رأس مال السلم من المحال عليه في مجلس العقد جاز وإلا فلا، وكذلك الكفالة لنفس المعنى. والمجلس هنا مجلس المتعاقدين لا غير، فلو غادر المحال عليه المجلس قبل الدفع، ثم عاد ودفع رأس المال إلى المسلم إليه قبل تفرق المتبايعين، جاز ولو أنه دفعه بعد خروج أحد المتبايعين من المجلس لم يصح.
      د- أخذ رهن برأس مال السلم. وذلك بأن يدفع رب السلم رهناً إلى المسلم إليه في مجلس السلم. فإنه ينظر، إن هلك الرهن في المجلس وكانت قيمته تعادل قيمة رأس مال السلم أو تزيد، فإنه يصح السلم، ويعتبر قبض الرهن قبضاً لرأس مال السلم، لأنه قبض ضمان تحقق فيه الضمان بالهلاك.
      وإن هلك وكانت قيمته أقل من رأس مال السلم، فإنه يتم العقد بمقدار قيمة الهالك، ويفسد في الباقي.
      فإذا لم يهلك الرهن حتى افترقا عن غير قبض. فسد السلم، لفوات شرط القبض.
      هـ- التقاص برأس مال السلم: فإذا كان لرب السلم دين سابق على المسلم إليه. وأراد استيفاء دينه من رأس مال السلم، فانه لا يصح لفوات قبضه بذلك.
      و- إذا ظهر في رأس المال بعد قبضه عيب منقص للقيمة. فإنه ينظر، إن رضي به المسلم إليه فإنه يصح، وإن لم يرض به، فإن استبدله في مجلس العقد صح. وإلا فسد العقد بالتفرق.

      3- الشروط المتعلقة بالمسلم فيه:
      المسلم فيه هو المال الذي يتعهد البائع بتأديته إلى رب السلم بعد أجل معين، ودافعه يسمى المسلم إليه. وشروطه متعددة هي:
      أ- بيان جنسه، فينص على أنه حنطة، أو قطن، أو ...
      ب- بيان نوعه، من أنه حنطة بعلية أو سقية، أو قطن طويل التيلة أو قصيرها ...
      جـ- بيان صفته، بأنه جيد، أو رديء، أو وسط ...
      د- بيان قدره، ببيان كيله، أو وزنه، أو عدده إن كان متقارباً، أو ذرعه إن كان متقارباً أيضاً.
      وهذا كله لإزالة الجهالة عنه، لأن الجهالة في الجنس والنوع والصفة والقدر مفضية للمنازعة، وهي مفسدة للبيع كما تقدم.
      ولحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم).
      هذا ويشترط في بيان القدر أن يكون بما هو معلوم ومعروف لدى الناس عامة، مما يؤمن فقده. فإذا بينه بما يحتمل فقده كوزنه بحجر معين، أو كيله بعلبة معينة أو ذرعه بخشبة معينة، لم يصح لاحتمال فقد هذا القدر، فيعود إلى الجهالة فيفسد.
      فإذا قدر الموزون بالكيل، والمكيل بالوزن، والمعدود بالكيل أو الوزن ... جاز، لأن الغاية من بيان القدر هي إزالة الجهالة، وهي حاصلة بذلك، فيصح، بخلاف الأموال الربوية إذا قوبلت بجنسها، لأن الغاية من القدر هناك هي المساواة وليس زوال الجهالة فحسب.
      وقد روي عن أحمد وبعض الحنفية خلاف ذلك.
      هـ- اتفق الفقهاء على أن يكون المسلم فيه مما يمكن ضبط قدره وصفته بالوصف على وجه لا يبقى معه بعد الوصف إلا تفاوت يسير، فإذا كان مما لا يمكن ذلك ويبقى بعد الوصف تفاوت فاحش، لا يجوز السلم فيه لقيام الجهالة الفاحشة، وهي مفضية للمنازعة فيفسد السلم بها لذلك.
      ولكنهم اختلفوا في تطبيقه توسعة وتضييقاً:
      فذهب الحنفية إلى أن ذلك لا يتوفر إلا في المثليات، وهي المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة والذرعيات المتقاربة إذا أمكن ضبط صفتها. كالحنطة والشعير، والملح والبيض، والقماش ... أما القيميات كالسجاد والثياب والحيوانات .. فلا يصح السلم فيها لعدم إمكان ضبطها نظراً لتفاوتها، مما يؤدي إلى الجهالة المفضية للمنازعة، إلا أنهم استثنوا الثياب والسجاد وما إليه بعد ذلك، فأجازوا فيها السلم استحساناً لتعارف الناس على ذلك، ولإِمكان ضبطها بالوصف بالجملة، فلا يبقى إلا جهالة يسيرة، وهي غير مؤثرة.
      وذهب المالكية والشافعية والحنبلية إلى عدم الحصر بالمثليات، فأطلقوا صحة السلم في كل ما يمكن ضبطه بالجملة، فأجازوا السلم في الحيوان والثياب والرقيق واللحم ... بشرط ضبطها بأوصافها كاملة لزوال الجهالة، كما اشترطوا ضبط قدرها بالوزن أو الكيل أو العدد بحسب العادة. فإذا لم يمكن ضبطها بالوصف، لم يصح السلم فيها.
      و- ذهب الحنفية إلى أن يكون جنس المسلم فيه موجوداً في الأسواق حين العقد، ومظنوناً وجوده كذلك إلى حين حلول الأجل، على وجه يتمكن المسلم إليه معه من الوفاء في أي وقت، فإذا لم يكن موجوداً وقت العقد، أو كان موجوداً وقته ولكنه لم يكن موجوداً وقت حلول الأجل، أو وجد في كلا الوقتين ولكنه انقطع فيما بينهما، فسد السلم وذهب المالكية والشافعية والحنبلية إلى أن الشرط إمكان وجوده وقت حلول الأجل لا غير.
      وبناء على هذا الشرط فقد اتفق الفقهاء على عدم جواز تحديد المسلم فيه بأوصاف خاصة، تجعله عرضة لعدم الوجود وقت محل الأجل، كأن يسلم في حنطة قرية بعينها، لإِمكان أن لا تثمر، بخلاف الولاية فإنه صحيح، أو في عنب ورطب إلى شهر شباط أو آذار، لأن العنب والرطب لا يكونان في هذا الشهر عادة، وقد ورد في ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- انه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمى، فقال اليهودي: من تمر حائط بني فلان، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- (أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى) رواه ابن ماجه وغيره.
      ز- ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن يكون المسلم فيه مما يتعين بالتعيين في المعاوضات: فيخرج من ذلك الدراهم والدنانير لأنها لا تقبل التعيين في عقود المعاوضات.
      أما المصوغات والتبر والنقود. فقد اختلف الرواية فيها عن الحنفية، فروي عنهم إلحاقها بالدراهم والدنانير فلا يصح السلم فيها، وروي إلحاقها بالعروض فيصح.
      أما الفلوس الرائجة إذا باعها عدداً، فقد اختلف الحنفية فيها، فذهب أبو حنفية إلى جواز جعلها مسلماً فيه.
      وفي رواية عند الحنفية إلى عدم جواز ذلك.
      وذهب المالكية والشافعية إلى جواز جعل المسلم فيه أثماناً مطلقة، لأنها مما يقبل التعيين عندهم.
      فذهب الجمهور -الحنفية والمالكية والحنبلية- إلى وجوب اشتراط الأجل في المسلم فيه، فإذا جعل حالاً لم يصح.
      وذهب الشافعية إلى صحة السلم حالاً ومؤجلاً. فإذا اشترط رب السلم الأجل، جاز، وإذا اشترط الحلول جاز أيضاً، فإذا لم يشترط شيئاً، جعل حالاً إذا كان المسلم فيه موجوداً وقت العقد، وإلا فسد العقد، وقيل لا ينعقد وإن كان المسلم فيه موجوداً، لأن الأصل في السلم التأجيل. فإذا أطلق العقد انصرف إليه، وبما أن الأجل مجهول فسد العقد لهذه الجهالة، كما لو نص على أجل مجهول. إلا أن الأول أرجح عند الشافعية فيما يظهر.

الأدلة:
      استدل الجمهور لمذهبهم في اشتراط الأجل في المسلم فيه بأدلة منها:
      1- أن السلم ورد على الخلاف القياس، لأنه بيع المعدوم ووجه الاستحسان فيه الرفق بحاجة المسلم إليه، فإذا انتفى الأجل انتفى الرفق بالمسلم إليه، فزالت علة الاستحسان، فعاد إلى أصل القياس، وهو المنع فيه.
      2- أن السلم ورد على خلاف القياس لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم". وما ورد كذلك يوقف فيه على ما رد به النص، وهو قد ورد بالأجل، فلا يتعداه إلى غيره.
      3- ورد في الحديث السابق التسوية بين اشتراط الأجل واشتراط بيان القدر، وبيان القدر مشروط بالاتفاق فكذلك الأجل.
      4- اشتراط تعجيل المسلم فيه يؤدي إلى المنازعة غالباً، لأن السلم بيع المفاليس، وغالباً ما يكون المسلم إليه عاجزاً عن تسليم المسلم فيه حالاً. وإلا لم يبعه سلماً. وهذا العجز يؤدي إلى المنازعة، وكل ما أدى إلى ذلك ممنوع في العقد، فيكون ممنوعاً لذلك.
أدلة الشافعية:
      1- يصح قياساً على السلم المؤجل، لأن المؤجل ثبت بنص الحديث، والحال مثله، بل هو أبعد عن الضرر منه، فيصح من باب أولى.
      2- لا حجة في قول الجمهور أن الأجل ورد اشتراطه بالحديث.
ذلك أن الحديث لم يشترط الأجل ولكنه اشترط ببيان مدته ووقته أن وجد، فإذا لم يوجد لم يحتج إلى بيان مدته، ولا دلالة في الحديث على ما وراء ذلك.
      3- ولا حجة للجمهور أيضاً في انتفاء الفائدة من هذا البيع، تلك الفائدة التي هي علة الاستحسان، ذلك أن فيه فائدة كبرى وهي جواز بيع ما ليس موجوداً في مجلس العقد عن البيع، وهو غير جائز في البيع المطلق. وهذا البيع محتاج إليه لأن البيع قد لا يكون حضراً مرئياً فلا يصح بيعه، وأن أخره لاحضار ربما يفوت على المشتري الصفقة، فيكون ذلك علة مناسبة للاستحسان، فيجوز.
      إلا أن قول الجمهور هو الأقوى، ذلك أن المسلم فيه عادة يكون بثمن أرخص من المبيع الحال، وذلك في مقابلة الأجل، وهو فائدة كبرى هي المناط الأول للخروج بالسلم من دائرة القياس من الصحة إلى دائرة الاستحسان المبيح، فإذا انتفى شرط الأجل لم يتحقق أي معنى هام للسلم فلا يصح. والله تعالى أعلم.
-ط- أن يكون الأجل معلوماً:
اتفق الفقهاء على وجوب تعيين الأجل بمدة محددة، فإذا أطلق الأجل لم يصح لما فيه من الجهالة المفضية للمنازعة، كما لو باعه وقال إلى آجل، أو آجل طويل، أو إلى آجل قصير فإنه لا يصح للمنازعة.
فإذا حدد بمدة فيها جهالة قليلة، كما لو قال إلى الحصاد أو الجذاذ، أو إلى اشتداد الحر، أو غلى هبوب الريح... ذهب أكثر الفقهاء إلى لم يصح لما فيه من الجهالة ولو كانت قليلة لأن الأوقات غير منضبطة، وهي تختلف من سنة إلى سنة فيفضي ذلك إلى المنازعة فلا يصح وذهب مالك إلى جواز ذلك ليسر الجهالة ولتعارف الناس ذلك، وقد اختلف الفقهاء في أدنى مدة الأجل بعد اتفاقهم على أن لا حد لأكثره.
فذهب بعض الحنفية إلى أنه لا حد لأقله، فيصح بنصف يوم. وذهب بعضهم إلى أن أقله ثلاثة أيام، اعتباراً بخيار الشرط، وروي أنه شهر، فلا يصح بأقل من، وهو الصحيح في المذهب، ذلك أن الشهر عند الحنفية أدنى الآجل وأقصى العاجل، كما في الإيمان، وأن السلمَ شرع لرفع حاجة المفاليس، وهي لا تندفه بما دونه غالباً .
      ومثل هذا القول روي عن أحمد وغيره من الأئمة وهو الأشهر لدى الفقهاء وذهب مالك أنه نصف شهر فما فوقه.
      ي- أن يبين في العقد مكان تسليم المسلم فيه: فإن المسلم فيه قد يكون لحمله مؤنة وقد لا يكون لحمله مؤنة، فإذا لم يكن لحمله مؤنة كسوار من ذهب، أو كأس من فضة، أو غير ذلك، لم يشترط لصحة السلم فيه تعيين مكان تسليمه باتفاق جمهور الفقهاء، لعدم الحاجة إليه.
      ذهب الشافعية إلى التفريق بين ما إذا كان مكان العقد صالحاً للتسليم كالمدينة فإنه لا يشترط، أو غير صالح كالبرية فإنه يشترط.
      فإذا عينا في العقد مكاناً لتسليم ما ليس لحمله مؤنة:
      فقد ذهب الجمهور إلى تعين ذلك محلاً للتسليم نزولاً عند الشرط. وروي عن بعضهم عدم تعين ذلك، وأن للمسلم إليه أن يسلمه للمسلم فيه في أي مكان كان، لأن هذا الشرط عبث، والأول أصح للحديث (المسلمون على شروطهم) ولأن فيه دفع خطر الطريق، فلا يكون عبثاً فيلزم.
      وإذا كان المسلم فيه مما لحمله مؤنة، كالحنطة، والشعير، والتمر، والقطن، وسائر السلع التي لها وزن أو حجم.
      فقد ذهب أبو حنيفة وبعض الشافعية إلى أنه يشترط لصحة السلم فيها تعيين مكان الإيفاء، وإلا فسد السلم، وهو المذهب عند الشافعية، وحجتهم في ذلك رفع المنازعة.
      وذهب الجمهور وبعض الحنفية، إلى عدم اشتراط ذلك في العقد، ولكن يتعين مكان العقد مكاناً للتسليم حكماً، فتزول المنازعة بذلك:
      فإذا عين المتعاقدان محلاً للتسليم، فإن كان هو مكان العقد فقد صح العقد وتعين المكان المشروط محلاً للتسليم، وإذا شرطا غير مكان العقد.
      فقد ذهب الجمهور إلى صحة ذلك وتعين المكان المشروط مكاناً للتسليم.
      وذهب بعض الفقهاء إلى فساد العقد بذلك لأن تعين مكان العقد مكاناً للتسليم من مقتضيات العقد بدليل تعينه بلا شرط عند الجمهور، وما كان كذلك تكون مخالفته مفسدة للعقد.
      والأول هو الأرجح دليلاً، لأن تعين مكان العقد مكاناً للتسليم ليس من مقتضيات العقد، وإنما تعين عند انعدام الشرط بالعرف، فلما وجد الشرط الصريح قدم على العرف، وهو المعتاد المعتمد في الأحكام الشرعية.
      4- الشروط المتعلقة بالبدلين جميعاً:
      الشروط المتعلقة ببدلي السلم معاً، هي شرط واحد، وهو انتفاء علة ربا النساء عن البدلين، وهي أحد وصفي علة ربا الفضل ذلك أن لعلة ربا الفضل وصفان:
      هما عند الحنفية القدر والجنس.
      وعند المالكية الادخار أو الثمنية مع الجنس.
      وعند الشافعية والحنبلية الطعم أو الثمنية مع الجنس(1).
      وعلى هذا إذا اتحد رأس مال السلم والمسلم فيه عند الحنفية قدراً، فكان كل واحد منهما موزوناً أو مكيلاً كالحنطة بالشعير، أو الفجل بالبصل، أو اتحدا جنساً كالحنطة بالحنطة أو الشعير بالشعير ... استويا في الجودة والرداءة أم اختلفا، لم يصح السلم، لوجود أحد وصفي علة ربا الفضل وهو القدر في المثال الأول، والجنس في المثال الثاني. وكذلك الحكم عند المالكية والشافعية إذا تحقق في البدلين علة ربا النساء أو أحد وصفي علة ربا الفضل عندهم، لأن دخول الربا في البيع مفسد له كما تقدم في البيع الفاسد.
___________________
1.     انظر باب الربا.

حدود ما يجوز التصرف فيه في المسلم فيه:
      لما كان السلم ثابتاً على خلاف القياس فقد احتاط الفقهاء في تنظيم أحكامه احتياطاً كبيراً، خشية الوقوع في الحرام، وقد عنوا لذلك ببيان حدود ما يجوز التصرف فيه في المسلم فيه، فأباحوا بعض التصرفات ومنعوا البعض الآخر لأدلة خاصة. وذلك خلافاً لبعض أحكام المبيع في البيع المطلق الذي جاء وفقاً للقياس. وأهم هذه الأحكام:
      1- لا يجوز الاستبدال بالمسلم فيه قبل قبضه، لأن المسلم فيه هنا مبيع منقول، ومن القواعد الفقهية في البيع عدم جواز الاستبدال بالمبيع المنقول قبل قبضه، لما في ذلك من غرر. وللاستبدال صور متعددة منها: بيعه بغيره من غير جنسه قبل قبضه، كأن يسلم في قطن فيأخذ بدله قبل قبضه دراهم أو قمحاً أو غير ذلك، ومنها المشاركة به أو غير ذلك. وأما الاستبدال به بعد قبضه فجائز كالمبيع.
      وقد خالف مالك في ذلك، فأباح الاستبدال بالمسلم فيه قبل قبضه بشروط أربعة تعرف في كتب المالكية.
      2- الإبراء عن المسلم فيه قبل قبضه جائز، لأن المسلم فيه دين، والديون تقبل الإبراء، إذ الإبراء إسقاط، والديون تقبل الإسقاط، وذلك على خلاف المبيع في البيع المطلق، فانه لا يقبل الإسقاط، لأن المبيع عين والأعيان لا تقبل الإسقاط بخلاف الديون، وهو على خلاف الإبراء عن رأس مال السلم قبل قبضه أيضاً فإنه مفسد للسلم كما تقدم من أنه يمنع قبضه، وهو شرط صحة السلم، أما المسلم فيه فلا يعتبر قبضه شرطاً فيصح.
      3- يجوز قبول الحوالة والكفالة وأخذ الرهن بالمسلم فيه، ذلك أن المسلم فيه دين، والحوالة والكفالة والرهن بالدين جائزة، فإذا أحال المسلم إليه رب السلم في المسلم فيه على رجل آخر برئت ذمة المسلم إليه، وطالب رب السلم المحال عليه لا غير، إلا أن يعجز المحال عليه فيرجع رب السلم على المسلم إليه عند ذلك، إذ أن الحوالة نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، والنقل يقتضي تفريغ ذمة المحيل، أما الكفالة فهي ضم ذمة إلى ذمة. ولذلك يكون لرب السلم أن يرجع في المسلم فيه على المسلم إليه، وعن الكفيل على حد سواء. وأما الرهن فان لرب السلم حبسه إلى حين وفاء المسلم فيه كاملا. وتكون يده عليه يد استيفاء، فيهلك عليه بالأقل من قيمته ومن قيمة المسلم فيه، وخالف في ذلك الحنبلية، لأن السلم دين غير مستقر، فلا يصح ذلك فيه.
      4- تجوز الإقالة في المسلم فيه كلا أو جزءاً، أما الإقالة في كل المسلم فيه فصحيحة بالاتفاق، لأن السلم بيع، والإقالة شرعت في البيع دفعاً لندم النادم من العاقدين، وهي في السلم أشد حاجة إليها منها في البيع المطلق، لأنه بيع بأبخس الأثمان عادة، فتكون جائزة فيه من باب أولى، وهي جائزة سواء بعد حلول الأجل أو قبل حلوله للحاجة إليها في الحالين، ولإطلاق النص المبيح وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- (من أقال مسلماً بيعته أقال الله عشرته) وسواء في ذلك أكان رأس مال السلم قائماً أم هالكاً، لأنه بمثابة الثمن في البيع المطلق، والإقالة هناك جائزة مع قيامه أو هلاكه، فكذلك هنا ثم إذا صحت الإقالة وكان رأس المال قائماً، رده بذاته إن كان مما يتعين بالتعيين، ولا رد مثله وان كان هالكاً رد مثله إن كان مثلياً، وإلا رد قيمته.
      وأما الإقالة في بعض المسلم فيه، كثلثه، أو ربعه ... فقد ذهب الجمهور إلى صحتها في ذلك البعض إذا حل الأجل، لوجود المعنى المبيح للإقالة، وهو ندم النادم.
      هذا إذا كان الأجل قد حل، فإذا لم يكن قد حل فإنه ينظر، فان لم يشترط المتعاقدان حل الباقي من المسلم فيه جازت الإقالة في الجزء، لعدم وجود المنافي لصحتها، ويبقى الباقي على الصحة إلى أجله.

المبحث الثالث: حكم السلم من حيث الأثر النوعي المترتب عليه:

      حكم السلم هو ثبوت الملك لرب السلم في المسلم فيه، وللمسلم إليه في رأس مال السلم، الأول على سبيل التأجيل والثاني على سبيل التعجيل. هذا إذا استجمع السلم كل أركانه وشروط صحته، وإلا فسد أو بطل ولم ينتج حكمه كله أو بعضه، مثله في ذلك مثل البيع المطلق.

مشاركة الموضوع

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More