التسميات

الموسيقى الصامتة

Our sponsors

22‏/12‏/2014

الجنايات المتعلقة بالحج




الجنايات
الأصل في الجنايات في اللبس وما يتعلق ببدن المحرم
جناية اللبس
جناية الطيب
جناية الدهن
جناية الحلق أو التقصير
جناية تقليم الأظفار
جناية قتل القمل أو إلقاؤه
الأصل في جزاء الصيد
جناية قتل الصيد
جناية إصابة الصيد
جناية الحلال على صيد الحرم وشجره
جناية الجماع في إحرام الحج
ترك الواجبات في الحج

      قرر الفقهاء وجوب الجزاء على من ارتكب شيئاً من محظورات الإحرام، ما دام فعل محظور الإحرام قبل التحلل ولو بقليل، حسبما عرفت من نوعي التحلل. أو أخل بما يجب عليه من الأعمال في الحج أو العمرة، وأنه إن فعل ذلك عامداً فقد أثم، ويجب عليه الجزاء والتوبة، ولا يخرجه العزم على الفدية عن كونه عاصياً آثماً.
      وربما ارتكب بعض الناس شيئاً من هذه المحرمات، وقال: أنا أفتدي، متوهماً أنه بالتزام الفدية يتخلص من وبال المعصية، وذلك خطأ صريح وجهل قبيح .. وليست الفدية مبيحة للإقدام على فعل المحرَّم ومَن فعل شيئاً مما يحكم بتحريمه فقد أخرج حجَّة عن أن يكون مبروراً.

      ضوابط عامة في أنواع جزاءات الجنايات:
      أ- فساد الحج والعمرة، وما يترتب عليه من القضاء والهدي، وذلك بالجماع قبل الوقوف بعرفة إجماعاً، وبالجماع بعد الوقوف قبل التحلل الأول عند الأئمة الثلاثة، خلافاً للحنفية، كذلك تفسد العمرة بالجماع قبل أداء ركنها.
      ب- الهَدْي : وربما عُبِّرَ عنه بالدم، وكل موضع أطلق فيه الدم أو الهَدْي تجزيء الشاة، إلا من جامع قبل الوقوف بعرفة، فعليه بدَنة عند الأئمة الثلاثة وشاة عند الحنفية، وإلا من جامع بعد الوقوف قبل التحلل الأول فعليه بدنة اتفاقاً.
      ج- الصدقة: حيث أُطْلِقَ وجوب "صدقة" عند الحنفية من غير بيان مقدارها، فإنه يجب نصفُ، صاع من بُرِّ "قمح" أو صاعٌ من شعير أو تمر، ويصح دفعها أين شاء، ولو في غير الحرم، وقيدها الشافعية بالحرم وأوجبوا صاعاً من البُرِّ أو غيره، وتكون الصدقة من أصناف زكاة الفطر، ويجوز إخراج القيمة عند الحنفية خلافاً للأئمة الثلاثة. والصاع يساوي /3640/ غراماً عند الحنفية و /1730/ غراماً عند غيرهم على التقريب. والمُدُّ يساوي ربع صاع.
      د- الصيام: يجب الصيام مقابل الطعام، أو على التخيير في الفدية كما هو مفصل فيما يأتي، والصوم لا يتقيد بالحرم ولا بالزمان والتتابع باتفاقهم، إلا الصيام لمن عجز عن هَدْي القِران والتمتع، فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. والصوم إنما يقع بدلاً عن دم الشكر لا عن دم الجبر، فاحفظ هذه الكلية في نفسك.
      هـ- الضمان بالمثل: وذلك في جزاء الصيد، على ما سنذكر من التفصيل.
      و- الفدية: حيث أطلق وجوبها عند المالكية والشافعية والحنبلية فالمقصود الفدية المخيرة التي نص عليها القرآن : {فَفِدْيةٌ مِن صِيامٍ أوْ صدَقةٍ أوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].
      ز- لا ينقص حظ كل مسكين في الصدقة عند الحنفية عن نصف صاع بُرٍّ أو صاع من شعير أو تمر إلا ما يفضل في كفارة الصيد أو كان الواجب أقلّ من أصله.
      ومذهب المالكية والشافعية لا ينقص في الفدية عن مُدَّيْن ولا يزيد لكل واحد من غالب قوت البلد، وأما في جزاء فمُدٌّ كامل لا يزيد ولا ينقص، ونحوهم مذهب الشافعية.
      ومذهب الحنابلة: إطعام الفدية إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مُدُّ بُرٍّ أو نصف صاع من تمر أو شعير أو غيرهما مما يجزئ في صدقة الفطر، وكذا الحكم في الإطعام لكفارة الصيد.
      ح- الجنايات على الإحرام بالحج أو بالعمرة عقوبتها واحدة، إلا من جامع في العمرة قبل أداء ركنها، فتفسد اتفاقاً:
      قال الحنفية والحنابلة: عليه شاة.
      وقال الشافعية والمالكية عليه بدنة. وحيثما ذكرنا ودجوب الدم دون تقييد فهو شاة.

 الجنايات في اللبس وما يتعلق ببدن المحرم

      يتناول هذا المبحث جناياتِ اللبس وتغطية الرأس، والحلق، وقلم الظفر، والطيب،والأدهان.
      والأصل في عقوبة هذه الجنايات كلها قوله تعالى :
       {وَلاَ تَحْلِقُوا رُوؤُسَكُمْ حَتَّى يَبّلُغَ الهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكمُ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].
      والنص وارد في جناية الحلق، لكن اتفقوا على إلحاق سائر الجنايات الآنفة به، وأوجبوا فيها الفداء، لأنها ترفه وزينة فهي كالحلق.
      أ- الآية واردة في جناية المعذور الذي حلق لمرض أو أذى، وهي صريحة في أن فديته واجبة على التخيير بين الأمور الثلاثة. وهذا موضع اتفاق بين العلماء، إذا كانت جنايته كاملة : إما أنْ يذبحَ شاة، أو يتصدق بثلاثة أصوع، على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم ثلاثة أيام. وإنْ كانتْ قاصرةً يجب عليه صدقة يأتي بيان قدرها في كل موضع بحسبه، ويتخير بينها وبين أنْ يصوم يوماً عن كل نصف صاع عند الحنفية.
      ب- أما العامد الذي لا عذر له:
      ذهب ا لحنفية إلى أنه أن لا يتخير، بل يجب عليه الدم عيناً أو الصدقة عيناً حسب جنايته مما سيأتي تفصيله، واستدلوا على ذلك بالآية، لأن التخيير شرع فيها عند العذر من مرض أو أذى، وغير المعذور جنايته أغلظ فتتغلظ عقوبته، وذلك بنفي التخيير في حقه.
      وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يتخير أيضاً، كالمعذور، واستدلوا بالآية أيضاً.
      ج- وأما المعذور بغير المرض والأذى، كالناسي والمُكْرَهِ والجاهل والنائم.
      ذهب الحنفية إلى إلحاقه بالعامد، وقالوا إنه لا يتخير، لأن الارتفاق حصل له، وعدم الاختيار أسقط الإثم عنه.
      ذهب المالكية إلى أنه يجب الفداء مُخَيَّراً كالعامد.
      وذهب الشافعية والحنابلة إلى التمييز بين جناية فيها إتلاف، وجنايةٍ ليس فيها إتلاف، فأوجبوا عليه الفدية في الاتلاف يستوي عمده وسهوه، ولم يوجبوا فدية في غير الاتلاف، وهو اللبس وتغطية الرأس والطيب.
      المذاهب في الفدية لكل من جنايات:

 أولاً: اللباس:
      ذهب الحنفية إلى أنه مَن لبس شيئاً من الألبسة المحظورة في الإحرام نهاراً كاملاً أو ليلة، كأَنْ لبس مخيطاً، أو غطى الرجل رأسه أو وجهه وجب عليه الدم، وكذا المرأة إذا غطت وجهها غطاء يمسه. وإن كان أقل من يوم أو ليلة فعليه صدقة.
      وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه يجب الفداء بنفس اللبس، ولو لم يستر زمناً.
      وذهب المالكية إلى أنه يشترط لوجوب الفدية من لبس الثوب أو الخف أن ينتفع به من حر أو برد، فإنْ لم ينتفع به من حر أو برد، بأنْ لبسَ قميصاً رقيقاً لا يقي حراً ولا برداً يجب الفداء إن امتد لبسُه مدةً كاليوم، لأنه يحصل فيه ارتفاق.

    ثانياً: الطيب:
      فرّق الحنفية بين تطييب المحرم بدنه وبين تطييب ثوبه:
      أ- أما البدن فقالوا: تجب شاة إن طيب المحرم عضواً كاملاً، مثل الرأس، واليد، والساق، أو ما يبلغ عضواً كاملاً. والبدن كله كعضو واحد إن اتحد مجلس التطيب، وإن تفرق المجلس فلكل طيب كفارة، وتجب إزالة الطيب، فلو ذبح ولم يُزِلْهُ لزمه دم آخر.
      وإن طيب أقل من عضو فعليه الصدقة، لقصور الجناية.
      ولم يشترط الحنفية استمرار الطيب على البدن لوجوب الجزاء، بل يجب بمجرد التطيب.
      ب- وأما تطييب الثوب فيجب فيه الدم بشرطين:
      1) أن يكون كثيراً، وهو ما يصلح أن يغطي مسافة تزيد على شبر في شبر.
      2) أن يستمر نهاراً أو ليلة.
      فإن اختل أحد الشرطين وجبت الصدقة، وإن اختل الشرطان معاً وجب التصدق بقبضة من القمح.
      ومذهب المالكية والشافعية والحنابلة وجوب الفداء في الطيب، ولم يقيدوه بأن يطيب عضواً كاملاً، أو مقداراً من الثوب معيناً، بل إن أي تطيب يوجب الفداء.
   
   ثالثاً: الدهن:
      لو دهن بزيت غير مطيب، فحكمه حكم الطيب عند أبي حنيفة ومالك، إذا استعمله في أي موضع من جسمه لغير مرض، لأنه أصل الطيب، فهو يلين الشعر وينميه ويحسنه، ويلين الجسم، ويزيل عنه الهوام.
      أما إن استعمله للتداوي، كأن وضعه على جرحه، أو شقوق رجليه فلا كفارة عليه.
      وقال الشافعي وأحمد - في رواية - إن استعمله في شعر الرأس واللحية وجب الفداء، لأنه يزيل الشعث، وإن كان في غيره جاز ولا شيء فيه، سواء شعره وبشره، والمعتمد عند الحنبلية إباحة الادّهان بدهن غير مطيب في أي موضع ولا فداء فيه إطلاقاً.

   رابعاً الحلق أو التقصير:
      أ- مذهب الحنفية أن من حلق ربع رأسه، أو ربع لحيته يجب عليه الفداء، لأن الربع يقوم مقام الكل على ما سبق في بحث الحلق، فيجب فيه الفداء الذي دلت عليه الآية الكريمة إن كان معذوراً أو الدم إن لم يكن معذوراً، ويجب على الحلاق صدقة إذا كان محرماً، وكذا لو حلق لحلال.
      وإن حلق خصلة من شعره أقل من الربع يجب عليه الصدقة، أما إن سقط من رأسه أو لحيته عند الوضوء أو الحك ثلاث شعرات، فعليه بكل شعرة صدقة كف من طعام. وإن تساقط أكثر من مرة في أكثر من مجلس فلكل مجلس مُوْجَبُه.
      وإن حلق رقبته كلها أو إبطيه أو أحدهما يجب الدم، أما إن حلق بعض واحد منهما وإن كثر فتجب الصدقة، لأن حلق جزء عضو من هذه الأشياء ليس ارتفاقاً كاملاً، لعدم جريان العادة بحلق البعض فيها، فلا يجب إلا الصدقة.
      وقرر الحنفية أن في حلق الشارب حكومة عدل، بأن ينظر إلى هذا المأخوذ كم يكون من ربع اللحية ؟ فيجب عليه بحسابه من الطعام.
      مثاله: لو أخذ من الشارب قدر نصف ثُمُنِ اللحية يجب عليه من الطعام ما يساوي ربع الدم.
      وذهب المالكية إلى أنه إن أخذ اثنتي عشرة شعرة فأقل ولم يقصد إزالة الأذى يجب عليه أن يتصدق بحفنة قمح، وإن أزالها بقصد إماطة الأذى تجب الفدية، ولو كانت شعرة واحدة. وتجب الفدية إذا أزال أكثر من اثنتي عشرة شعرة لأي سبب كان. وشعر البدن كله سواء.
      وإن سقط من شعره في وضوء أو غسل فلا شيء عليه عندهم.
      وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه تجب الفدية لو حلق ثلاث شعرات، كما تجب لو حلق جميع الرأس بشرط اتحاد المجلس أي الزمان والمكان.
      ولا يجب على المحرم الجزاء إذا حلق لمحرم آخر بإذنه، لأنه كالآلة، فلا يضاف إليه الحلق. لكنه يأثم لمساعدته فيه.
      ولو حلق شعرة أو شعرتين ففي شعرة مُدٌّ، وفي شعرتين مُدَّان من القمح، وسواء في ذلك كله شعر الرأس وشعر البدن.
      ب- أما إذا سقط شعر المحرم بنفسه من غير صنع آدمي فلا فدية باتفاق المذاهب.

   خامساً: تقليم الأظفار:
      ذهب الحنفية إلى أنه: إذا قص أظفار يديه ورجليه جميعها في مجلس واحد تجب عليه شاة، وكذا إذا قص أظفار يد واحدة، أو رجل واحدة تجب شاة. وإن قص أقل من خمسة أظفار من يد واحدة، أو خمسة متفرقة من أظفاره تجب عليه صدقة لكل ظفر.
      وذهب المالكية أنه إن قلم ظفراً واحداً عبثاً أو ترفهاً يجب عليه صدقة حفنة من طعام، فإن فعل ذلك لإماطة الأذى أو الوسخ ففيه فدية، وإنْ قلّمه لكسره فلا شيء عليه إذا تأذَّى منه، ويقتصر على ما كُسِر منه. وإن قلّم ظفرين في مجلس واحد فَفِدْية، ولو لم يقصدْ إماطةَ الأذى.
      وذهب الشافعية والحنابلة يجب الفداء في تقليم ثلاثة أظفار فصاعداً في مجلس واحد، ويجب في الظفر والظفرين ما يجب في الشعرتين.

   سادساً: قتل القُمَّلِ أو إلقاؤه:
      لأن فيه إزالة الأذى، وقتله في غير الإحرام لا شك مطلوب شرعاً، لكنه كره حال الإحرام: فقال الحنفية: يجب أن يتصدق بما شاء.
      وقال الشافعية: يستحب أن يتصدق ولا يجب.
      وقال المالكية فقالوا: إنه يجري مجرى الشعر تماماً.

* * *
الصيد وما يتعلق به

     الأصل في جزاء الصيد قوله تعالى:
      {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} [المائدة : 95].
      وقد أجمع العلماء على وجوب الجزاء في قتل الصيد، واختلفوا في بعض التفاصيل.

   أولاً: قتل الصيد
      أ- نصت الآية على وجوب الجزاء في قتل الصيد عمداً، ولم تنص على قتله خطأ، وقد اتفقت المذاهب الأربعة على أن الخطأ في هذا الباب كالعمد، لأن العقوبة شرعت ضماناً للمُتْلفَ، وذلك يستوي فيه العمد والخطأ والجهل والسهو والنسيان.
      ب- هذا الجزاء نصب الآية على أنه {مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } وأنه يُخَيَّر فيه بين الخصال الثلاث. واختلف العلماء في تفسير هذين الأمرين:
      ذهب الحنفية إلى أنه تقدر قيمة الصيد بتقويم رجلين عَدْلين، وتعتبر القيمة في موضع قتله، ثم يخير الجاني بين ثلاثة أمور:
      1) أن يشتري هدياً ويذبحه في الحرم إن بلغت القيمة هدياً.
      2) أن يشتري طعاماً ويتصدق به على كل مسكين نصف صاع من بُرٍّ أو صاعاً من شعير، أو تمر، كما في صدقة الفطر، ولا يجوز أن يعطي أقل مما ذكرنا، إلا إن فضل من الطعام أقل منه فيجوز أن يتصدق به، ولا يختص التصدق بمساكين الحرم.
      3) أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً، وعن أقل من نصف صاع - إذا فضل - يوماً أيضاً.
      وذهب الأئمة الثلاثة -المالكية والشافعية والحنبلية- إلى التفصيل فقالوا:
      الصيد ضربان : مثلي : وهو ماله مثل من النَّعَم، أي مشابه في الخِلقِة من النعم، وهي الإبل والبقر والغنم، وغير مثلي وهو ما لا يشبه شيئاً من النعم.
      أما المثلي: فجزاؤه على التخيير والتعديل، أي إن القاتل يخير بين ثلاثة أشياء على الوجه التالي:
      1) أَنْ يذبَح المثل المشابه من النعم في الحرم، ويتصدق به على مساكين الحرم.
      2) أن يقوِّم المثلَ دراهم ثم يشتري بها طعاماً، ويتصدق به على مساكين الحرم. ولا يجوز تفرقة الدراهم عليهم.
      وقال مالك بل يقوِّمُ الصيدَ نفسه ويشتري به طعاماً يتصدق به على مساكين موضع الصيد، فإن لم يكن فيه مساكين فعلى مساكين أقرب المواضع إليه ويعطى كل مسكين مُدٌّ، وإن فضل بعض مُدٍّ أعطي لمسكين.
      3) إنْ شاء صام عن كل مُدٍّ يوماً، ويجوز الصيام في الحرم وفي جميع البلاد. وإن انكسر مُدٌّ وجب صيام يوم.
      وأما غير المثلي: فيجب فيه قيمته ويتخير فيها بين أمرين:
      أنْ يشتريَ بها طعاماً يتصدق به على مساكين الحرم، وعند مالك على المساكين في موضع الصيد.
      2) أنْ يصومَ عن كل مُدٍّ يوماً كما ذكرنا سابقاً.
      ثم قالوا في بيان المثلي: المعتبر فيه التشابه في الصورة والخلْقَة، وكل ما ورد فيه نقل عن السلف فيتبع، لقوله تعالى : {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}. وما لا نقل فيه يحكم بمثله عدلان ذكيان بهذا الأمر عملاً بالآية.
      والكلام عليه في الدواب، ثم في الطيور.
      أما الدواب: ففي النعامة بدنة وفي بقر الوحش وحمار الوحش بقرة إنسية، وفي الغزال عَنْز، وفي الأرنب عَناق، وفي اليَرْبُوعِ جَفْرة.
      وقال مالك: في الأرنب واليربوع والضب القيمة.
      وأما الطيور: ففي أنواع الحمام شاة، والمراد بالحمام كل ما عبّ في الماء وهو أن يشربه جَرْعاً، فيدخل فيه اليمام اللواتي يألفن البيوت، والقُمْرِيُّ، والقطاة، والعرب تسمي كل مطوَّق حماماً.
      وإن كان الطائر أصغر من الحمام جثة ففيه القيمة، وإن كان أكبرَ من الحمام كالبطة والأوزة فالأصح أنه يجب فيه القيمة إذ لا مثل له.
      وقال مالك: تجب شاة في حمام مكة والحرم ويمامهما، وفي حمام ويمام غيرهما تجب القيمة وكذا في سائر الطيور.
      واتفق الجمهور على أن في الجرادة صدقة تمْرَة.
      وقال الشافعية والحنابلة: الواجب في الصغير من الصيد المثلي صغير مثله من النعم. لقوله: {فَجزاءٌ مِثْلُ ما قتل} وهذا مثل فيجزيء.
      وقال مالك: يجب فيه كبير لقوله تعالى: {هَدْياً بالغَ الكعبة}، والصغير لا يكون هدياً، وإنما يجزيء في الهدي ما يجزيء في الأضحية.

    ثانياً: إصابة الصيد:
      ذهب الحنفية والشافعية والحنبلية إلى أنه إذا أصابَ المحرم الصيدَ بضرر ولم يقتلْه يجبُ عليه الجزاء بحسب تلك الإصابة:
      قال الحنفية: إنْ جَرَح المحرم صيداً أو نتف شعره ضمن قيمة ما نقص منه، اعتباراً للجزء بالكل، فكما تجب القيمة بالكل تجب الجزء، وهذا الجزاء يجب إذا بريء الحيوان وظهر أثر الجناية عليه، أما إذا لم يبق لها أثر فلا يضمن لزوال الموجب.
      وقال الشافعية والحنابلة: إن جرح صيداً يجب عليه قدر النقص من مثله من النعم، إن كان مثلياً، وإلا يقدر ما نقص من قيمته، وإذا أحدث به عاهة مستديمة فوجهان عندهم، أصحهما يلزمه جزاء كامل.
      قال الحنفية وهو أحد قولين للشافعي أما إذا أصابه أزالت امتناعه عمن يريد أخذه وجب الجزاء كاملاً، لأنه فوّت عليه الأمن بهذا.
      وفي قول عند الشافعية: يضمن النقص فقط.
      وذهب المالكية إلى أنه لا يضمن ما غلب على ظنه سلامته من الصيد بإصابته بنقص ولا جزاء فيه، ولا يلزمه فرق ما بين قيمته سليماً وقيمته بعد إصابته.
      هذا ويجب بسبب حلب الصيد وكسر بيضة قيمة كل من اللبن والبيض.

   ثالثاً: جناية الحلال على صيد الحرم وشجره:
      مذهب الحنفية: إن ذبح الحلال صيد الحرم وجب عليه قيمته يتصدق بها، ولا يجوز الصوم في هذه المسألة عندهم، لأن الواجب هو الضمان بقتله، والصوم لا يصلح ضماناً.
      ومذهب مالك والشافعي وأحمد: يجب عليه ما يجب على المحرم إذا قتل صيداً قياساً له عليه.
      - أما قطع شجر الحرم أو حشيشه الرطب مما ليس مملوكاً لأحد وليس مما يستنبته الناس:
      ذهب الحنفية: إلى أنه يضمن القاطع القيمة ويتصدق بها، ولا مدخل للصوم في هذا الجزاء أيضاً، لأنه ضمان متلف.
      وذهب مالك: إلى أنه يأثم ولا ضمان عليه، لأن الضمان قدر زائد على التحريم يحتاج لدليل، بل يستغفر الله.
      وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنَّ الأصح وجوب الضمان فيه من النعم، وفي الشجرة الكبيرة بقرة، والصغيرة شاة، والحشيش الرطب يضمن بالقيمة إن لم يُخْلِفْ فإن أخلف فلا ضمان.
      والمضمون هنا على التخيير والتعديل عند الشافعية كما في الصيد.



في الجماع ودواعيه

      أ- الجماع في إحرام الحج:
      اتفق العلماء على أن الجماع حالة الإحرام جناية، ويصدق ذلك على هذه الأحوال الثلاث الآتية :
      1- قبل الوقوف بعرفة.
      2- بعد الوقوف قبل التحلل الأول.
      3- بعد الوقوف بعرفة والتحلل الأول فقط.

      1) الجماع قبل الوقوف بعرفة:
      مَنْ جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه بإجماع العلماء، ووجب عليه ثلاثة أمور:
      الأول : الاستمرار في حجة الفاسد إلى نهايته، لقوله تعالى: {وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لله} وجه الاستدلال أنه "لم يفرق بين صحيح وفاسد".
      الثاني : أداء حج جديد في المستقبل قضاء للحجة الفاسدة، ولو كانت نافلة، ويستحب أن يفترقا في حجة القضاء هذه، عند الأئمة الثلاثة منذ الإحرام، وأوجب المالكية الافتراق منذ خروجها من المنزل في سفر حجة القضاء، سداً لذريعة الوقوع في هذا المحظور الذي أفسد حجمها، وعملاً بما ورد من أقوال الصحابة في ذلك. واستدل على عدم الوجوب بأن الافتراق ليس بنسك في الأداء، فكذلك في القضاء، فلا يكون واجباً بل مستحباً.
      الثالث : ذبح الهدي في حجة القضاء:
      قال الحنفية: يذبح شاة.
       وقال الأئمة الثلاثة: لا تجزئ الشاة، بل يجب عليه بدنة أي من الجمال ذَكَراً أو أنثى.
      استدل الحنفية بما ورد أن رجلاً جامع امرأته وهما محرمان، فسألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما: "اقْضِيا نُسْكَكُما وأَهْدِيا هَدْياً" رواه أبو داود في المراسيل، والبيهقي، وبما رُوِيَ من الآثار عن الصحابة أنه يجب عليه شاة.
      واستدل الشافعية ومن معهم بفتوى جماعة من الصحابة، ولم يُعْرَفْ لهم مخالف.

      2) الجماع بعد الوقوف قبل التحلل الأول:
      ذهب الحنفية إلى أنَّ من جامع بعد الوقوف بعرفة قبل التحلل الأول فلا يفسد حجه، ويجب عليه أن يهدي بدنة عندهم.
      وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يفسد حجه ما دام قد واقع قبل التحلل الأول، وعليه بدنة أيضاً.

      3) الجماع بعد التحلل الأول:
      وقد اتفقوا المذاهب الأربعة على أن الجماع بعده لا يفسد الحج، وألحق المالكية به الجماع بعد طواف الإفاضة ولو قبل رمي جمرة العقبة، والجماعَ بعد يوم النحر ولو قبل رمي العقبة والإفاضة.
      ووقع الخلاف في الجزاء الواجب:
      فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يجب عليه شاة. قالوا في الاستدلال : إنه لخفة الجناية لوجود التحلل في حق غير النساء.
      وقال مالك وهو قول عند الشافعية والحنابلة إنه يجب عليه بدنة، وعُلِّلَ ذلك بأنه لعظم الجناية على الإحرام.
      وأوجب مالك والحنابلة على من فعل هذا الجناية بعد التحلل قبل الإفاضة أنْ يخرج إلى الحل ويأتي بعمرة، لقول ابن عباس بذلك.
      وذلك أنه لما أدخل النقص على طوافه للإفاضة بما أصابه من الوطء كان عليه أنْ يقضيَه بطوافٍ سالم إحرامُه من ذلك النقص، ولا يصلح أن يكون الطواف في إحرام إلا في حج أو عمرة.

      ب- الجماع في إحرام العمرة:
      1) ذهب الحنفية إلى أنه لو جامع قبل أن يؤدّي ركن العمرة وهو الطواف أربعة أشواط تفسد عمرته، أما لو وقع المفسد بعد ذلك لا تفسد العمرة، لأنه بأداء الركن أمن الفساد.
      وذهب المالكية إلى أن المفسد إن حصل قبل تمام سعيها ولو بشوط فسدت، أما لو وقع بعد تمام السعي قبل الحلق فلا تفسد، لأنه بالسعي تتم أركانها، والحلق من شروط الكمال عندهم.
      ومذهب الشافعية والحنبلية أنه إذا حصل المفسد قبل التحلل من العمرة فسدت.
      والتحلل بالحلق وهو ركن عند الشافعية واجب عند الحنفية.
      2) يجب في إفساد العمرة ما يجب في إفساد الحج من الاستمرار فيها ثم القضاء، والفداء باتفاق العلماء.
      لكن اختلفوا في فداء إفساد العمرة:
      فمذهب الحنفية والحنبلية وأحد القولين عند الشافعية أنه يلزمه شاة لأنها أحط رتبة من الحج، فخفت جنايتها، فوجبت شاة.
      ومذهب المالكية والشافعية أنه يلزمه بدنة قياساً على الحج.
      3) أما فداء الجماع الذي لا يفسد العمرة:
      ذهب الحنفية إلى أنه شاة.
      وذهب المالكية إلى أنه بدنة.

      مقدمات الجماع:
      مقدمات الجماع على قسمين: مباشرة وبعيدة.
      المقدمات المباشرة: كاللمس بشهوة، والتقبيل، والمباشرة بغير جماع:
      ذهب الحنفية والشافعية والمالكية إلى أنه يجب على من فعل شيئاً منها الدم سواء أنزل منياً أو لم ينزل، ولا يفسد حجه، إلا أن الحنابلة قالوا: إن أنزل وجب عليه بدنة.
      وقال المالكية: إنْ أَنزلَ مَنِّياً فسد حجه وعليه ما على المجامع، وإنْ لم يُنْزِل لْيُهْدِ بَدَنَةً.
      المقدمات البعيدة: كالنظر والفكر بشهوة:
      قال الحنفية والشافعية أنه لا يجب في شيء منهما الفداء، ولو أدى إلى الانزال. وهو مذهب الحنابلة في الفكر.
      وقال المالكية: إذا فعل أي واحد منها بقصد اللذة واسْتَدامَه حتى خرج المني فسدَ الحج، وإن خرج بمجرد الفكر أو النظر من غير استدامة فلا يفسد، وإنما فيه الهَدْيُ بدنة.
      وقال الحنابلة : إنْ نظرَ فصرفَ بصره فأمنى فعليه دمٌ، وإنْ كرر النظر حتى أمنى فعليه بدنة.

* * *
 ترك الواجبات


      حكم الواجب في الحج أنه يطلب فعله ويحرم تركه، لكنه لا يفسد الحج بتركه، بل يكون مسيئاً، وقرر الفقهاء أنه يجب على من ترك واجباً الفداء (ذبح شاة) لجبر النقص الحادث بهذا الترك، إلا إذا تركه لعذر معتبر شرعاً.

في العمْرة





في العمْرة
  • تعريف العمرة
  • حكم العمرة
  • فضيلة العمرة
  • فرائض العمرة
  • واجبات العمرة
      العمرة لغة: الزيارة، سميت بذلك لأن فيها عمارة الود، مأخوذة من الاعتمار، يقال:" اعتمر فهو معتمر أي زار ".
      وفي اصطلاح الفقهاء: الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة.
      وتتلخص كيفية العمرة بأن يحرم بها من الميقات ثم يأتي مكة فيطوف بالكعبة سبعاً ثم يصلي ركعتين للطواف، ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط. ثم يحلق ويتحلل.

    حكم العمرة:
      ذهب الحنفية والمالكية إلى أنها سنة مؤكدة في العمر مرة واحدة.
      وذهب الشافعية والحنابلة- على الأظهر عندهما - إلى أنها واجبة مرة في العمر، كالحج.
      استدل الحنفية والمالكية على سنية العمرة بأدلة، منها:
      حديث جابر- رضي الله عنه -، قال: سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرةِ أواجبةُُ هي؟ قال:"لا، وأنْ تَعْتَمِرَ فهو أفضل". أخرجه الترمذي وقال"حديث حسن"
      واستدل القائلون بفرضية العمرة بما وقع في حديث عمر في سؤال جبريل عليه السلام: "وأنْ تحجَّ وتعتمرَ " أخرجه بهذه الزيادة الدارقطني.

     فضيلة العمرة:
      عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" العمرةُ إلى العمرةِ كفارةُُ لما بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءُُ إلا الجنة ". متفق عليه.
      وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"عمرةُُ في رمضانَ تَقْضِي حجة " متفق عليه. ولمسلم " تقضي حجةً أو حجةً معي ".

    فرائض العمرة:
      أولاً: الإحرام:
      أ- ذهب الحنفية إلى أنه شرط، وهو النية مقرونة بالتلبية.
       وذهب الجمهور إلى أنه ركن وهو النية فقط.
      وكيفية الإحرام بها هي كما في الحج إلا أنه يقول: "اللهم إني أريدُ العمرةَ فيسِّرْها لي وتقبلْها منى إنك أنتَ السميعُ العليم": "لبيك اللهم .. الخ ..".
      ويُسن للإحرام بالعمرة ما يسن للإحرام بالحج. لأن الأدلة تشمله.
      كذلك يحظر في الإحرام للعمرة ما يحظر في الإحرام للحج.
      ميقات الإحرام بالعمرة:
      ب- أما الميقات الزمني فهو كلُّ السَنة، وتُندب في شهر رمضان لقوله صلى الله عليه وسلم: "عمرةٌ في رمضانَ تقضي حجة".
      ذهب الحنفية إلى أن العمرة تكره تحريماً يوم عرفة وأربعة أيام بعده، حتى يجب الدم على من فعلها في ذلك الوقت.
      قالت عائشة رضي الله عنها: "حلّتِ العمرةُ في السَنة كلها، إلا أربعةَ أيام: يومُ عرفة، ويومُ النحر، ويومان بعد ذلك" أخرجه البيهقي. ولأن هذه الأيام أيام شغل بأداء الحج، والعمرة فيها تشغلهم عن ذلك، وربما يقع الخلل فيه فتكره.
      وذهب الجمهور إلى أن جميع السنة وقت لإحرام العمرة وجميع أفعالها، دون استثناء، وهي في يوم عرفة والعيد وأيام التشريق ليس كفضلها فيغيرها، لأن الأفضل فعل الحج فيها.
      ج- وأما الميقات المكاني للعمرة: فهو ميقات الحج الذي سبق أن بينا حدوده إلا أن من كان بمكة أو حرمها فميقاته للعمرة أن يخرجإلى الحل، اتفاقاً بين الفقهاء.
      عن عائشة رضي الله عنها قالت: "يا رسولَ الله أتنطلقونَ بعمرةٍ وحَجَّةٍ وأنطلقُ بالحج؟؟ فأمرَ عبدَ الرحمن بنَ أبي بكرٍ أن يخرج معها إلى التَّنْعِيم، فاعتمَرَتْ بعدَ الحج في ذي الحجة" متفق عليه.
      ذهب الحنفية إلى أن الإحرامُ بالعمرة من التنعيم أفضلُ أخذاً بهذا الحديث، ويُحْرِمُ أكثر الناس الآن من هذا الموضع، عند المسجد هناك المعروف بمسجد عائشة.
      وذهب الشافعية إلى أنَّ أفضل بقاع الحل للإحرام بالعمرة الجِعِرَّانة، ثم التنعيم ثم الحديبية، لأنه - صلى الله عليه وسلم - أحرم بها - أي العمرة - من الجعرانة، وأمر عائشة بالاعتمار من التنعيم كما تقدم، وبعد إحرامه بها بذي الحليفة عام الحُدَيْبِيَة همَّ بالدخول إليها من الحديبية ... .
      وأما من كان في منطقة المواقيت خارج منطقة الحرم فميقاته من حيث أنشأ، أي أحرم، لكن اختلفوا:
      ذهب الحنفية إلى أن ميقاته الحل كله.
      وذهب المالكية إلى أنه يحرم من داره أو مسجده لا غير.
      وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن ميقاته القرية التي يسكنها لا يجاوزها بغير إحرام.
      ثانياً- الطواف:
      وهو ركن في العمرة بإجماع الأمة على ذلك، لقوله عز وجل: {وَلْيَطّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتيقِ} [الحج: 29].
      وشرائط طواف العمرة: كطواف الزيارة في الحج لكنه لا يتقيد بوقت.
      وواجبات طواف العمرة: هي واجبات طواف الحج أيضاً لشمول الأدلة في ذلك كله الحج والعمرة جميعاً.

     واجبات العمرة :
      أولاً: السعي بين الصفا والمروة: ذهب الحنفية في المختار والحنابلة إلى أن السعي واجب وذهب المالكية والشافعية إلى أن السعي ركن.
      ثانياً: الحلق أو التقصير، وذلك آخر أعمال العمرة، وبه يتحلل من إحرامه تحللاً كاملاً، ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه واجب.
      وذهب الشافعية: إلى أنه ركن ومن أخر الحلق ظل محرماً، وإذا فعل شيئاً من محظورات الإحرام لزمه الفداء.
      وأحكام فرائض العمرة وواجباتها كأحكام فرائض الحج وواجباته، فيجب فيها هنا ما يجب في الحج، ويسن فيها ما يسن في فرائض الحج وواجباتها، ويحظر في إحرامها ما يحظر في إحرام الحج. وقد استوفينا تفصيلها، فارجع لكل أمر في موضعه.
      لكن لا يطلب في العمرة طواف قدوم، ولا طواف وداع، بل يَخْتَصّان بالحج عند الحنفية، على ما سبق من بيان المذاهب فيهما.



سنن الحج



سنن الحج

      السنن يطلب فعلها، ويثاب المكلف عليها، وتلزم الإساءة لو تركها عمداً، لكن لا يلزمه الفداء من دم أو صدقة بذلك.
      ونذكر ههنا سنن الحج الأصلية، والمذاهب فيها :
      أولاً - طواف القدوم :
      أ- ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه سنة للآفقي القادم من خارج مكة لتحية البيت العتيق، لذلك يستحب البدء به دون تأخير.
      وعن عائشة رضي الله عنها "أنّ أولَ شيء بَدَأَ به حين قدم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه توضَّأَ ثم طاف .. الحديث". متفق عليه.
      وذهب المالكية إلى أنه واجب.
      ب- يسقط طواف القدوم عن ثلاثة وهم :
      1) المكي، ومن في حكمه، وهو الآفقي إذا أحرم من مكة.
      وذهب الحنفية إلى إسقاطه عمّنْ كان منزله في المواقيت، لأن الطواف شرع للقدوم، والقدوم في حق هؤلاء غير موجود.
      وذهب المالكية إلى أنه يجب على من أحرم من الحِلِّ ولو كان مكياً، أما من كان في منطقة الحرم فليس عليه طواف قدوم.
      2) المعتمر والمتمتع ولو آفاقياً، لدخول طواف الفرض عليه وهو طواف العمرة، اتفاقاً في ذلك بين الجمهور الحنفية والشافعية والمالكية، فطواف القدوم عندهم خاص بمن أحرم بالحج مفرداً، أو قارناً بين الحج والعمرة. وذهب الحنابلة إلى أنه: يطوف المتمتع للقدوم قبل طواف الإفاضة، ثم يطوف طواف الإفاضة.
      3) من قصد عرفة رأساً للوقوف يسقط عنه طواف القدوم. "لأن محله المسنون قبل وقوفه". وقرر المالكية أنه إذا خشي فوات الوقوف بعرفة لو اشتغل بطواف القدوم سقط عنه ولا فدية عليه، أما إذا كان الوقت متسعاً وترك طواف القدوم يجب عليه الفدية.
      جـ- وقت طواف القدوم يبدأ حين دخول مكة، ويُسْتَحَبُّ أنْ يُبادرَ بأدائه قبل استئجار المنزل ونحو ذلك. وآخر وقته وقوفه بعرفة، لأنه بعد الوقوف مطالب بطواف الفرض أي طواف الزيارة.
      د- كيفية طواف القدوم كطواف الزيارة، إلا أنه لا اضطباع فيه ولا رمل، ولا سعي لأجله، إلا إذا أراد تقديم سعي الحج على وقته الأصلي، الذي هو عقيب طواف الزيارة، فإنه يسن له عندئذ الاضطباع والرمل في الطواف، لما سبق أن قررنا أن الرمل والاضطباع سنة في كل طواف بعده سعي.

      ثانياً: خُطَبُ الإمام:
      - الخطبة الأولى: ذهب الحنفية والشافعية إلى أنها تسن هذه الخطبة في مكة يوم السابع من ذي الحجة قبل يوم التروية بيوم، عند الحنفية والشافعية، والغرض منها أن يعلمهم المناسك.
      عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :" كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا كانَ قَبْلَ الترويِة بيومٍ خطبَ الناسَ وأخبرهم بمناسِكِهم " أخرجه البيهقي بسند جيد.
      - الخطبة الثانية: وتُسَنُّ يومَ عرفة بعرفات، قبل الصلاة اتفاقاً أيضاً. وهذه الخطبة خطبتان يفصل بينهما بجلسة كما في خطبة الجمعة، يبين لهم في أولاهما ما أمامهم من المناسك، ويحرضهم على إكثار الدعاء والابتهال، ويبين ما يهمهم من الأمور الضرورية لشؤون دينهم، واستقامة أحوالهم.
      - الخطبة الثالثة: ذهب الحنفية والمالكية إلى أنها بمنى في اليوم الحادي عشر من ذي الحجة وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنها تكون بمنى يوم النحر.
      - أما الخطبة الرابعة: ذهب الشافعية والحنبلية إلى زيارة الخطبة الرابعة التي هي بمنى ثاني أيام التشريق يعلمهم فيها جواز النفر فيه وغير ذلك، ويودعهم.
ثالثاً: المبيت بمنى ليلة يوم عرفة، وأداء خمس صلوات فيها:
      يسن للحاج أن يخرج من مكة إلى منى يوم التروية، بعد طلوع الشمس، فيصلي بمنى الظهرَ والعصرَ والمغرب والعشاء والفجر، وذلك سنة باتفاق الأئمة رضي الله عنهم.
      وفي حديث جابر" لما كان يوم التروية توجهوا إلى مِنى فأَهَلَّوا بالحج فركبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والغجر، ثم مكثَ قليلاً حتى طلعتِ الشمسُ وأَمَرَ بِقُبَّةٍ من شَعرٍ فضُرِبَتْ له بِنَمِرَةَ ".
      ذهب الحنفية إلى أنه سنة.
      وذهب الجمهور إلى وجوبه، وهو سنة عند الحنفية، وواجب عند الأئمة الثلاثة.
      رابعاً: المبيت بمزدلفة ليلة النحر:
      ذهب الحنفية إلى أنَّ المبيت بالمزدلفة ليلة عيد النحر سنة عند الحنفية، وإنما الواجب عندهم الوقوف بالمزدلفة بعد الفجر، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبيناه في واجبات الحج.
      وذهب المالكية إلى ندب المبيت بمزدلفة ليلة النحر.
      وذهب الشافعية إلى وجوب المكث الطويل.
      وذهب الحنابلة إلى استحبابه.
      خامساً: المبيت بمنى ليالي التشريق:
      ذهب الحنفية إلى أنه سنة.
      وذهب الجمهور إلى وجوبه، وهو سنة عند الحنفية، وواجب عند الأئمة الثلاثة فيلزم الفداء لمن تركه كله أو معظم ليلة واحدة منه بغير عذر عند الأئمة الثلاثة استدلوا على الوجوب بحديث عائشة رضي الله عنها قالت:
" أفاضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِن آخرِ يومه حين صلى الظهرَ، ثم رجع إلى مِنى، فمكثَ لياليَ أيامِ التشريق. . الحديث " أخرجه أبو داود.
      وأجاب الحنفية بحمل الحديث على السنية.
      سادساً: التحصيب:
      وهو النزول بوادي المحصَّب، أو الأَبْطَح، في النَّفْرِ من مِنى إلى مكة، عند انتهاء المناسك. ويقع المُحَصِّب عند مدخل مكة، بين الجبلين، إلى المقبرة المسماة بالحُجون(1).
      ذهب الحنفية إلى أن التحصيب سنة.
      وذهب الجمهور إلى أنه مستحب.
 ___________________________________

(1) سمي محصباً لكثرة الحصباء، أي الحصى الصغير التي تجرفها السيول إليه، كذا سمي الأبطح من البطحاء وهي الحصى الصغار. والخيف ما انحدر عن غلظ الجبَل وارتفع عن مجرى السيل، سمي المحصّب بذلك وسمي مسجد منى بذلك لأنهما في سفح جبل.

مشاركة الموضوع

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More