التسميات

الموسيقى الصامتة

Our sponsors

17‏/12‏/2014

الإمامة في الصلاة





الإمامة في الصلاة
شروط صحة الإمامة أو الجماعة
الشرط الأول: الإسلام
الشرط الثاني: العقل
الشرط الثالث: البلوغ
الشرط الرابع:الذكورة المحققة
الشرط الخامس: الطهارة من الحدث والخبث
الشرط السادس: إحسان القراءة والأركان
الشرط السابع: كون الإمام غير مأموم
الشرط الثامن: السلامة من الأعذار
الشرط التاسع: أن يكون الإمام صحيح اللسان
الشرط العاشر: اشترط الحنابلة أن يكون الإمام عدلاً
الشرط الحادي عشر: اشترط المالكية والحنفية والحنابلة ألا يكون الإمام مقيداً صلاته لتحصيل فضيلة
أحق الناس بالإمامة
مكروهات الإمامة
ما تفسد به صلاة الإمام والمأمومين
تحمل الإمام عن المأموم
تكبيرة الإحرام بالنسبة إلى الإمام
نية مفارق الإمام وقطع القدوة
شروط الإقتداء بالإمام
كيفية وقوف المأمومين
أمر الإمام بتسوية الصفوف وسد الثغرات


      شروط صحة الإمامة أو الجماعة:
      تصح إمامة الإمام بالشروط التالية:
الشرط الأول: الإسلام: فلا تصح إمامة الكافر.
      الشرط الثاني العقل: فلا تصح الصلاة خلف مجنون، لأن صلاته لنفسه باطلة. فإن كان جنونه متقطعاً. صحت الصلاة وراءه حال إفاقته.
      الشرط الثالث البلوغ: فلا تصح إمامة المميز عند الجمهور للبالغ، في فرض أو نفل عند الحنفية، وفي فرض فقط عند المالكية والحنابلة، أما في النفل ككسوف وتراويح فتصح إمامته لمثله، لأنه متنفل يؤم متنفلاً، ودليلهم ما روى الأثرم عن ابن مسعود وابن عباس: "لا يؤم الغلام حتى يحتلم"ولأن الإمامة حال كمال، والصبي ليس من أهل الكمال، ولأنه لا يؤمن الصبي لإخلاله بشروط الصلاة أو القراءة.
      وذهب الشافعية إلى أنه: يجوز اقتداء البالغ بالصبي المميز، لما روي عن عمرو بن سلمة قال: أممت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام ابن سبع سنين" رواه البخاري، وتصح إمامة الصبي عندهم في الجمعة أيضاً، مع الكراهة.
      الشرط الرابع الذكورة المحققة: فلا تصح إمامة المرأة والخنثى للرجال، لا في فرض ولا في نفل.
أما إن كان المقتدي نساء فلا تشترط الذكورة في إمامتهن عند الجمهور، (المالكية والشافعية والحنبلية) فتصح إمامة المرأة للنساء عندهم، بدليل ما روي عن عائشة وأم سلمة وعطاء: أن المرأة تؤم النساء.
      ولا تكره عند الشافعية جماعة النساء، بل تستحب وتقف وسطهن.
      وذهب الحنفية إلى أنه: يكره تحريماً جماعة النساء وحدهن بغير رجال ولو في التراويح، في غير صلاة الجنازة، فلا تكره فيها، لأنها فريضة غير مكررة، فإن فعلن وقفت الإمام وسطهن كما يصلى للعراة.
      الشرط الخامس: الطهارة من الحدث والخبث: فلا تصح إمامة المحدث، أو من عليه نجاسة لبطلان صلاته، سواء عند الجمهور أكان عالماً بذلك أم ناسياً. وقال المالكية: الشرط: عدم تعمد الحدث، وإن لم يعلم الإمام بذلك إلا بعد الفراغ من الصلاة، فإن تعمد الإمام الحدث، بطلت صلاته وصلاة من اقتدى به، وإن كان ناسياً، فصلاته صحيحة إن لم يعلم بالنجاسة إلا بعد الفراغ من الصلاة، لأن الطهارة من الخبث شرط لصحة الصلاة مع العلم فقط عندهم، ولا يصح الاقتداء بالمحدث أو الجنب إن علم ذلك، وتصح صلاة المقتدين، ولهم ثواب الجماعة باتفاق المذاهب الأربعة إلا في الجمعة عند الشافعية والحنابلة إذا كان المصلون بالإمام أربعين مع المحدث أو المتنجس، إن علموا بحدث الإمام أو بوجود نجاسة عليه، بعد الفراغ من الصلاة.
      الشرط السادس إحسان القراءة والأركان: أي أن يحسن الإمام قراءة ما لا تصح الصلاة إلا به، وأن يقوم بالأركان، فلا يصح اقتداء قارئ بأمي عند الجمهور، وتجب الإعادة على القارئ المؤتم به، كما لا تصح الصلاة خلف أخرس ولو بأخرس مثله، ولا خلف عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود أو استقبال القبلة، أو اجتناب النجاسة، إلا بمثله، فتصح الصلاة خلف المماثل،إلا ثلاثة عند الحنفية : الخنثى المشكل والمستحاضة والمتحيرة لاحتمال الحيض.
      وقال المالكية: يشترط في الإمام القدرة على الأركان، فإن عجز عن ركن منها، قولي كالفاتحة أو فعلي كالركوع أو السجود أو القيام، لم يصح الاقتداء به، إلا إذا تساوى الإمام والمأموم في العجز، فيصح اقتداء أمي بمثله إن لم يوجد قارئ ويصح اقتداء أخرس بمثله، وعاجز عن القيام صلى جالساً بمثله، إلا لمومئ أي الذي فرضه الإيماء من قيام أو جلوس أو اضطجاع، فلا يصح له الاقتداء بمثله.
      الشرط السابع: كون الإمام غير مأموم:
ذهب الحنفية والمالكية إلى عدم جواز الاقتداء بمن كان مقتدياً بعد سلام إمامه.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى صحة الاقتداء بمن كان مقتدياً بعد سلام إمامه.
     
      الشرط الثامن: السلامة من الأعذار، كالرعاف الدائم، وانفلات الريح، وسلس البول، ونحوها.
      وذهب المالكية والشافعية إلى عدم اشتراط هذا الشرط، وصححوا صلاة المقتدي الصحيح بالإمام المعذور.
      الشرط التاسع: أن يكون الإمام صحيح اللسان، بحيث ينطق بالحروف على وجهها، فلا تصح إمامة الألثغ وهو من يبدل الراء غيناً، أو السين ثاء، أو الذال زاياً، لعدم المساواة، إلا إذا كان المقتدي مثله في الحال.
      ويعد كالألثغ عند الحنفية: التمتام: وهو الذي يكرر التاء في كلامه، والفأفاء وهو الذي يكرر الفاء، لا تصح إمامتهما عندهم إلا لمن يماثلهما.
      واستثنى الحنابلة: من يبدل ضاد المغضوب والضالين بظاء، فتصح إمامته بمن لا يبدلها ظاء، لأنه لا يصير أمياً بهذا الإبدال.
      وقال الجمهور غير الحنفية: تصح إمامة التمتام والفأفاء ولو لغير المماثل مع الكراهة.
      الصلاة وراء المخالف في المذهب:
      الشرط العاشر الحنابلة أن يكون الإمام عدلاً، فلا تصح إمامة الفاسق ولو بمثله، فلو صلى شخص خلف الفاسق، ثم علم بفسقه، وجبت عليه إعادة الصلاة، إلا في صلاة الجمعة والعيدين، فإنهما تصحان خلف الفاسق إن لم تتيسر الصلاة خلف عدل.
      واشترط المالكية: أن يكون الإمام سليماً من الفسق المتعلق بالصلاة، كأن يتهاون في شرائطها أو فرائضها، كمن يصلي بلا وضوء أو يترك قراءة الفاتحة. أما إن كان الفسق لا يتعلق بالصلاة كالزاني، أو شارب الخمر، فتصح إمامته مع الكراهة على الراجح.
      الشرط الحادي عشر اشترط المالكية والحنفية والحنابلة: ألا يكون الإمام معيداً صلاته لتحصيل فضيلة الجماعة، فلا يصح اقتداء مفترض بمعيد، لأن صلاة المعيد نفل ولا يصح فرض وراء نفل. وأن يكون الإمام عالماً بكيفية الصلاة على الوجه الذي تصح به، وعالماً بكيفية شرائطها، كالوضوء والغسل على الوجه الصحيح، وإن لم يميز الأركان من غيرها.
      أحق الناس بالإمامة:
      ذهب الحنفية إلى أن: الإمام الراتب أحق بالإمامة من غيره، فإن لم يوجد فالأحق بالإمامة: الأعلم بأحكام الصلاة فقط صحة وفساداً بشرط اجتنابه للفواحش الظاهرة، وحفظه من القرآن قدر فرض: أي ما تجوز به الصلاة.
      ثم الأحسن تلاوة وتجويداً للقراءة.
      ثم الأورع أي الأكثر اتقاء للشبهات، والتقوى: اتقاء المحرمات.
ثم الأسن: أي أكبرهم سناً، لأنه أكثر خشوعاً ولأن في تقديمه تكثير الجماعة.
      ثم الأحسن خلُقاً (إلفة بالناس)، ثم الأحسن وجهاً (أي أكثرهم تهجداً)، ثم الأشرف نسباً، ثم الأنظف ثوباً.
      فإن كان بينهم سلطان، فالسلطان مقدَّم، ثم الأمير، ثم القاضي، ثم صاحب المنزل، ولو مستأجراً.
      وذهب المالكية إلى أنه: يندب تقديم سلطان أو نائبه ولو بمسجد له إمام راتب، ثم الإمام الراتب في المسجد، ثم رب المنزل فيه، ويقدم المستأجر على المالك؛ لأنه مالك لمنافعه. وإن كان صاحب المنزل امرأة أنابت من يصلح للإمامة؛ لأن إمامتها لا تصح، والأولى لها استخلاف الأفضل.
      ثم الأفقه( الأعلم بأحكام الصلاة)، ثم الأعلم بالسنة أو الحديث حفظاً ورواية، ثم الأقرأ: أي الأدرى بطرق القرآن أو بالقراءة والأمكن من غيره في مخارج الحروف، ثم الأعبد: أي الأكثر عبادة من صوم وصلاة وغيرها، ثم الأقدم إسلاماً، ثم الأرقى نسباً كالقرشي، ومعلوم النسب يقدم على مجهوله، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن لباساً، أي الأجمل وهو لابس الجديد المباح غير الحرير، واللباس الحسن شرعاً: هو البياض خاصة، جديداً أو لا. فإن تساووا قدم الأورع والزاهد والحر على غيرهم، ويقدم الأعدل على مجهول الحال، والأب على الابن، والعم على ابن أخيه، فإن تساووا في كل شيء، أقرع بينهم، إلا إذا رضوا بتقديم أحدهم.
       وذهب الشافعية إلى أن: أحق الناس بالإمامة: الوالي في محل ولايته.
      ثم الإمام الراتب، ثم الساكن بحق إن كان أهلاً لها.
      ثم يقدم الأفقه، فالأقرأ، فالأورع، ثم الأسبق إسلاماً، فالأفضل نسباً، فالأحسن سيرة، فالأنظف ثوباً، ثم نظيف البدن، ثم طيّب الصَّنْعة، ثم الأحسن صوتاً، فالأحسن صورة، أي وجهاً، فالمتزوج.
      وذهب الحنابلة إلى أنه الأولى: الأولى بالإمامة الأجود قراءة الأفقه وقدم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر لأنه كان حافظاً للقرآن وكان مع ذلك من أفقه الصحابة رضي الله عنهم. ومذهب أحمد تقديم القارىء على الفقيه.
      ثم الأجود قراءة الفقيه، ثم الأجود قراءة فقط، وإن لم يكن فقيهاً، إذا كان يعلم أحكام الصلاة وما يحتاجه فيها، ثم الأفقه والأعلم بأحكام الصلاة، ويقدم قارىء لا يعلم فقه صلاته على فقيه أمي لا يحسن الفاتحة؛ لأنها ركن في الصلاة، بخلاف معرفة أحكامها، فإن استووا في عدم القراءة قدم الأعلم بأحكام الصلاة.
      فإن استووا في القراءة والفقه، قدم أكبرهم سناً ثم الأتقى والأورع.
      ثم الأتقى والأورع، فإن استووا فيما تقدم أقرع بينهم.
      ويقدم السلطان مطلقاً على غيره، كما يقدم في المسجد الإمام الراتب، وفي البيت صاحبه إن كان صالحاً للإمامة:
      تكره إمامة:
      - الفاسق العالم، ولو لمثله عند المالكية والشافعية والحنابلة، لعدم اهتمامه بالدين. واستثنى الحنابلة صلاة الجمعة والعيد، فتصح إمامته للضرورة، وأجاز الحنفية إمامته لمثله.
-المبتدع الذي لا يكفر ببدعته: كالفاسق، بل أولى.
- أن يؤم قوماً هم له كارهون: والكراهة تحريمية عند الحنفية، لحديث:"لا يقبل الله صلاة من تقدم قوماً، وهم له كارهون" رواه أبو داود وابن ماجه.
      - الأعمى: تكره إمامته تنزيهاً عند الحنفية والمالكية والحنابلة، لأنه لا يتوقى النجاسة، واستثنى الحنفية حالة كونه أعلم القوم، فهو أولى.
      وأجاز الشافعية إمامته بدون كراهة، فهو كالبصير، إذ الأعمى أخشع، والبصير يتجنب النجاسة، ففي كل مزية ليست في الآخر، وتصح إمامته عند الكل. والأعشى وهو سيء البصر ليلاً ونهاراً كالأعمى، والأصم كالأعمى عند الحنابلة، الأولى صحة إمامته.
- انتظار الداخل: قال الجمهور غير الشافعية: يكره للإمام انتظار الداخل لأن انتظاره تشريك في العبادة، فلا يشرع كالرياء، ودفعاً للمشقة عن المصلين؛ لأنه يبعد أن يكون فيهم من لا يشق عليه، والذين مع الإمام أعظم حرمة من الداخل، فلا يشق على من معه لنفع الداخل.
      - يكره تطويل الصلاة على القوم تطويلاً زائداً على قدر السنة في قراءة وأذكار، والكراهة تحريمية عند الحنفية، سواء رضي القوم أم لا.
      واستثنى الشافعية والحنابلة: حالة الرضا بالتطويل من جماعة محصورين فإنه تستحب الإطالة، لزوال علة الكراهة، وهي التنفير.
- تكره إمامة من لا يفصح ببعض الحروف كالضاد والقاف، وتصح إمامته، سواء أكان أعجمياً أم عربياً. وتكره عند الجمهور غير الحنفية كما بينا: إمامة التمتام (وهو من يكرر التاء) والفأفاء (وهو من يكرر الفاء)، وتصح الصلاة خلفهما؛ لأنها يأتيان بالحروف على الكمال، ويزيدان زيادة، وهما مغلوبان عليها، فعفي عنها، ويكره تقديمهما لهذا الزيادة.
      - تكره إمامة اللحان (كثير اللحن) الذي لا يحيل المعنى كجر دال"الحمد" ونصب باء"الرب" ونحوه من الفاتحة، وتصح صلاته بمن لا يلحن؛ لأنه أتى بفرضالقراءة.
- تكره الصلاة عند غير الحنابلة خلف ولد الزنا إن وجد غيره يؤم الناس، إذ ليس له أب يربيه ويؤدبه ويعلمه، فيغلب عليه الجهل، ولنفرة الناس عنه. وقيد الحنفية كراهة إمامته بحالة كونه جاهلاً، إذ لو كان عالماً تقياً لا تكره إمامته، لأن الكراهة للنقائص لا لذاته، كما قيد المالكية كراهة إمامته فيما إذا جعل إماماً راتباً، وأجاز الشافعية إمامته لمثله.
      - يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين بقدر ذراع فأكثر، سواء أراد تعليمهم الصلاة أو لم يرد. ويكره أيضاً عند الحنفية والمالكية والشافعية ارتفاع المقتدين عن مكان الإمام بقدر ذراع أيضاً، تتقيد الكراهة عندهم بما إذا لم يكن في الحالتين مع الإمام في موقفه واحد على الأقل من المقتدين، فإن وجد معه واحد فأكثر لم يكره، واستثنى المالكية من ذلك صلاة الجمعة فإنها على سطح المسجد باطلة، كما استثنوا مع الشافعية العلو لأجل ضرورة أو حاجة أو قصد تعليم للمأمومين كيفية الصلاة، فيجوز وبطلت صلاة الإمام والمأموم إن قصد بعلوه الكبر، لمنافاته الصلاة.
      وتختص الكراهة عند الحنابلة بمن هو أسفل من الإمام، لا بمن يساويه أ و هو أعلى منه، لأن المعنى وجد بمن هو أسفل دون غيرهم.
      ولا بأس عند الحنابلة والمالكية بالعلو اليسير مثل درجة المنبر أي حوالي الشبر أو الذراع، كما استثنى المالكية العلو لضرورة كتعليم الناس الصلاة، لحديث سهيل أن النبي صلى عليه الله وسلم صلَّى على الدرجة السفلى من المنبر متفق عليه.
      ما تفسد به صلاة الإمام والمأمومين:
      اتفق العلماء: على أنه إذا طرأ الحدث في الصلاة على الإمام، فتفسد صلاته، وتظل صلاة المأمومين صحيحة.
      أما لو صلى الإمام بالناس وهو جنب أو محدث، وعلم بذلك المأمومون بعد الصلاة، فهل تفسد صلاتهم أم لا ؟ وذهب الحنفية إلى أن: صلاتهم فاسدة مطلقاً.
      وذهب المالكية إلى أنه: تبطل صلاتهم في حال العمد دون النسيان.
      وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن: صلاتهم صحيحة، إلا في الجمعة إذا كان المصلون مع الإمام أربعين فقط، فتفسد حينئذ.
      ومن فرق بين السهو والعمد، وهم المالكية، أخذ بظاهر الأثر الآتي: عن أبي بكرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم استفتح، فكبَّر ثم أومأ إليهم: أن مكانكم، ثم دخل، ثم خرج ورأسه يقطر، فصلى بهم، فلما قضى الصلاة، قال: إنما أنا بشر مثلكم، وإني كنت جُنُباً" فظاهر هذا أنهم بنوا على صلاتهم.
      تحمل الإمام عن المأموم:
      يتحمل الإمام سهو المأموم، واتفق الفقهاء على أنه لا يحمل الإمام من فرائض الصلاة شيئاً عن المأموم ما عدا القراءة، فإنهم اختلفوا في ذلك.
      ذهب المالكية والحنابلة إلى : أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسر فيه، ولا يقرأ معه فيما جهر به. وكذلك يقرأ عند الحنابلة في الجهرية إذا لم يسمع، ولا يقرأ إذا سمع.
      وذهب الحنفية إلى أنه: لا يقرأ معه أصلاً لا في الجهرية ولا في السرية.
      وذهب الشافعية إلى: أنه يقرأ فيما أسر أم الكتاب (الفاتحة) وغيرها، وفيما جهر أم الكتاب فقط.
            ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والشافعية والحنفية إلى أنه يؤمن كالمأموم سواء.
      وذهب المالكية إلى أنه لا يؤمن الإمام، ولكن يؤمن المأموم فقط.
      تكبيرة الإحرام بالنسبة إلى الإمام:
      قال الجمهور: لا يكبر الإمام إلا بعد تمام الإقامة واستواء الصفوف.
      وذهب الحنفية إلى أن: موضع التكبير هو قبل أن يتم الإقامة، واستحسنوا تكبيرة عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة.
      نية مفارق الإمام وقطع القدوة:
      ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: إن أحرم الشخص مأموماً، ثم نوى مفارقة الإمام وإتمام صلاته منفرداً، جاز عند الشافعية سواء أكان لعذر، أم لغير عذر مع الكراهة، لمفارقته للجماعة المطلوبة وجوباً أو ندباً مؤكداً. وجاز لعذر فقط عند الحنابلة. واستثنى الشافعية الجمعة فلا تصح نية المفارقة في الركعة الأولى منها، والصلاة التي يريد إعادتها جماعة، فلا تصح نية المفارقة في شيء منها، وكذا الصلاة المجموعة تقديماً.
      ومن العذر: تطويل الإمام، أو تركه سنة مقصودة، كتشهد أول وقنوت، فله فراقه ليأتي بتلك السنة، أو المرض، أو خشية غلبة النعاس أو شيء يفسد صلاته، أو خوف فوات ماله أو تلفه، أو فوت رفقته، أو من يخرج من الصف ثم لا يجد من يقف معه.
      ذهب الحنفية والمالكية إلى عدم جواز مفارقة الإمام.
شروط الاقتداء بالإمام:
      شروط صحة الجماعة وهي ما يأتي:
      1- نية المؤتم الاقتداء باتفاق المذاهب:
      أي أن ينوي المأموم مع تكبيرة الإحرام الاقتداء أو الجماعة أو المأمومية، فلو ترك هذه النية أو مع الشك فيها، وتابعه في الأفعال، بطلت صلاة المقتدي.
      أما نية الإمام الإمامة: فلا تشترط عند الجمهور غير الحنابلة، بل تستحب ليحوز فضيلة الجماعة، فإن لم ينو لم تحصل له، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى.
      وذهب الشافعية والمالكية إلى أنَّ الصلاة التي تتوقف صحتها على الجماعة، كالجمعة، والمجموعة للمطر، والمعادة، وصلاة الخوف، فلابد فيها من نية الإمام الإمامة.
      واستثنى الحنفية اقتداء النساء بالرجل، فإنه يشترط نية الرجل الإمامة لصحة اقتداء النساء به.
      وقال الحنابلة: تشترط أيضاً نية الإمامة، فينوي الإمام أنه إمام، والمأموم أنه مأموم، وإلا فسدت الصلاة. لكن لو أحرم الشخص منفرداً، ثم جاء آخر، فصلى معه، فنوى إمامته، صح في النفل.
      أما في الفريضة: فإن كان المصلي ينتظر أحداً، كإمام المسجد، فإنه يُحرم وحده، وينتظر من يأتي، فيصلي معه، فيجوز ذلك أيضاً عند الحنابلة.
      2- اتحاد صلاة الإمام والمأموم:
      ذهب الحنفية إلى أنَّ: الاتحاد أن يمكنه (أي المقتدي) الدخول في صلاته بنية صلاة الإمام، فتكون صلاة الإمام متضمنة لصلاة المقتدي. فلا يصلي المفترض خلف المتنفل.
      ويصلي المتنفل خلف المفترض، لأن فيه بناء الضعيف على القوي، وهو جائز، إلا التراويح في الصحيح، فلا يصح الاقتداء فيها بالمفترض لأنها سنة على هيئة مخصوصة، فيراعى وضعها الخاص للخروج عن العهدة.
      ويصح اقتداء متنفل بمتنفل ومنه ناذر نفل بناذر آخر، ومن يرى الوتر واجباً (وهم الحنفية) بمن يراه سنة، ومن اقتدى في العصر، وهو مقيم، بعد الغروب، بمن أحرم قبله، لاتحاد صلاة الإمام مع صلاة المقتدي في الصور الثلاث.
      ويصح اقتداء متوضئ بمتيمم، وغاسل بماسح على خف أو جبيرة، وقائم بقاعد يركع ويسجد، لا مومئ، فالمومئ يصلي خلف مثله، إلا أن يومئ المؤتم قاعداً، والإمام مضطجعاً، لأن القعود معتبر، فتثبت به القعدة، أما صلاة القائم بالقاعد فلأنه صلى الله عليه وسلم صلى آخر صلاته قاعداً، والناس قيام رواه البخاري ومسلم، وأبو بكر يبلغهم تكبيره، كما يصح اقتداء قائم بأحدب الظهر، وإن بلغ حدبه الركوع على المعتمد، وكذا الاقتداء بأعرج. ويصح اقتداء مومئ بمثله إلا أن يومئ الإمام مضطجعاً، والمؤتم قاعداً أو قائماً فإنه لا يجوز، لقوة حال المأموم.
      وذهب المالكية إلى أنه: يشترط الاتحاد في ذات الصلاة، فلا يصح اقتداء بصلاة ظهر خلف عصر مثلاً، وفي صفة الصلاة أداء وقضاء، فلا يصح أداء خلف قضاء ولا عكسه، وفي زمن الصلاة، وإن اتفقا في القضاء، فلا يصح ظهر يوم السبت خلف ظهر يوم الأحد، ولا عكسه، ولا يصح اقتداء في صلاة صبح بعد طلوع شمس بمن أدرك ركعة قبل طلوع الشمس، لأنها للإمام أداء، وللمأموم قضاء.
      ويصح اقتداء نفل خلف فرض كركعتي الضحى، خلف صبح بعد الشمس، وركعتي نفل خلف صلاة سفرية، أو أربع خلف صلاة حضرية.
      وذهب الحنابلة إلى أن: الاتحاد في نوع الفرض وقتاً واسماً، فلا يصح ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، أو غيرهما كالعشاء، وعكسه، كما لا تصح صلاة مفترض خلف مفترض بفرض غيره وقتاً واسماً، لقوله صلى الله عليه وسلم : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه"، ولا يصح اقتداء مفترض بمتنفل، لهذا الحديث، ولأن صلاة المأموم لا تؤدى بنية الإمام، فأشبه صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر. ولا يصح أن يؤم من عدم الماء والتراب، أو به قروح لا يستطيع معها مس البشرة بأحدهما بمن تطهر بأحدهما.
      ولا يصح الاقتداء في صلاة تخالف الأخرى في الأفعال، كصلاة الكسوف أو الجمعة خلف من يصلي غيرهما، وصلاة غيرهما وراء من يصليهما، لأنه يفضي إلى مخالفة إمامه في الأفعال، وهو منهي عنه.
      ويصح اقتداء متنفل بمفترض، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في إعادة الصلاة جماعة: "من يتصدق على هذا ؟ فقام رجل فصلى معه" ويصح ائتمام متوضئ بمتيمم، لأنه أتى بالطهارة على الوجه الذي يلزمه، والعكس أولى. ويصح ائتمام ماسح على حائل بغاسل، لأن الغسل رافع للحدث.
      ويصح ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها، وعكسه، لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت.
      ولأنها حالة قعود الإمام، فكان على المأمومين متابعته كحال التشهد.
      فإن صلوا قياماً خلف إمام الحي المرجو زوال علته، صحت صلاتهم، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر من صلى خلفه قائماً بالإعادة، ولأن القيام هو الأصل.
      والأفضل لهذا الإمام إذا مرض أن يستخلف، لأن الناس اختلفوا في صحة إمامته، فيخرج من الخلاف، ولأن صلاة القائم أكمل، فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة.
      وذهب الشافعية إلى اشتراط توافق نظم صلاتي الإمام والمقتدي، فإن اختلف نظم صلاتيهما كصلاة مكتوبة وصلاة كسوف، أو مكتوبة وصلاة جنازة، لم تصح القدوة فيهما، لتعذر المتابعة باختلاف فعلهما.
      وتصح قدوة المؤدي بالقاضي (الأداء خلف القضاء) وعكسه، والمفترض بالمتنفل، وعكسه، والظهر خلف العصر وعكسه، وكذا الظهر بالصبح والمغرب، ويكون المقتدي حينئذ كالمسبوق، يتم صلاته بعد سلام إمامه، ولا تضر في هذه الحالة متابعة الإمام في القنوت والجلوس الأخير في المغرب، وللمقتدي فراق الإمام إذا اشتغل بالقنوت والجلوس، مراعاة لنظم صلاته.
      وتجوز صلاة الصبح خلف الظهر في الأظهر، فإذا قام الإمام للركعة الثالثة، فإن شاء فارقه وسلم، وإن شاء انتظره ليسلِّم معه، وانتظاره أفضل. وإن أمكنه أي المقتدي القنوت في الركعة الثانية قنت وإلا تركه، وله فراق الإمام ليقنت.
      3- ألا يتقدم المأموم على إمامه بعقبه (مؤخر قدمه)، أو بأليته (عجزه) إن صلى قاعداً أو بجنبه إن صلى مضطجعاً. فإن ساواه جاز وكره، ويندب تخلفه عنه قليلاً، وإن تقدم عليه لم تصح صلاته، وهذا شرط عند الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة)، لقوله عليه الصلاة والسلام: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" ولأنه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه، ولأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا هو في معنى المنقول.
      والعبرة التقدم بالعقب، فإن تقدمت أصابع المقتدي لكبر قدمه على قدم الإمام، ما لم يتقدم أكثر القدم، صحت صلاته.
      وذهب المالكية إلى أنه: لا يشترط هذا الشرط، فلو تقدم المأموم على إمامه ولو كان المتقدم جميع المأمومين، صحت الصلاة، لكن يكره التقدم لغير ضرورة، لأن ذلك لا يمنع الاقتداء به، فأشبه من خلفه.
      4- متابعة المأموم إمامه:
ذهب الحنفية إلى أن: المتابعة بإحدى صورها الثلاث المذكورة تكون فرضاً في فروض الصلاة، وواجبة في الواجب، وسنة في السنة. فلو ترك الركوع مع الإمام بأن ركع قبله أو بعده، ولم يشاركه فيه، أو سجد قبل الإمام أو بعده ولم يشاركه في السجود، تلغى الركعة التي لم تتحقق فيها المتابعة، ويجب عليه قضاؤها بعد سلام الإمام وإلا بطلت صلاته. ولو ترك المتابعة في القنوت أثم، لأنه ترك واجباً، ولو ترك المتابعة في تسبيح الركوع مثلاً فقد ترك السنة.
      وأمّا المالكية فقالوا:
      المتابعة: أن يكون بفعل المأموم عقب فعل الإمام، فلا يسبقه ولا يساويه ولا يتأخر عنه. والمتابعة للإمام بهذا المعنى شرط في الإحرام والسلام فقط، بأن يكبر للإحرام بعده، ويسلم بعده. فلو ساواه بطلت صلاته، ويصح أن يبتدئ بعد الإمام ويختم بعده قطعاً أو معه على الصحيح، ولا يصح أن يختم قبله.
      وأما المتابعة في غير الإحرام والسلام، فليست بشرط، فلو ساوى المأموم إمامه في الركوع أو السجود مثلاً، صحت صلاته مع الكراهة، وحرم عليه أن يسبق الإمام في غير الإحرام والسلام من سائر الأركان، لكن إن سبقه لا تبطل به الصلاة إن اشترك مع الإمام.
      وذهب الشافعية إلى أنه: تجب المتابعة في أفعال الصلاة لا في أقوالها، بأن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن ابتداء فعل الإمام، ويتقدم ابتداء فعل المأموم على فراغ الإمام من الفعل، وتندب المتابعة في الأقوال، لما في الصحيحين: "إنما جعل الإمام ليؤتم به"، فإن قارنه في فعل أو قول، لم يضر أي لم يأثم، لأن القدوة منتظمة لا مخالفة فيها، بل هي مكروهة ومفوِّتة لفضيلة الجماعة، لارتكابه المكروه.
      إلا تكبيرة الإحرام، فإن قارن المأموم الإمام فيها، بطلت.
      وكذا تبطل الصلاة إن تقدم المأموم على إمامه أو تأخر بركنين فعليين بلا عذر أي أنه يشترط تيقن تأخر جميع تكبيرته للإحرام عن جميع تكبيرة إمامه، وألا يتقدم أو يتأخر عن إمامه بركنين فعليين لغير عذر وألا يتقدم سلامه عن سلام الإمام.
      وعلى هذا لا تبطل الصلاة إن قارنه في غير التحرم، أو تقدم عليه بركن فعلي، أو تأخر عنه به، في الأصح، لكن المقارنة في السلام مكروهة فقط، والسلام قبل الإمام مبطل للصلاة، وإن سبق الإمام بركنين فعليين بلا عذر كأن سجد والإمام في القراءة، بطلت الصلاة. ولا يضر السبق بركنين غير فعليين كتشهد وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يكره بلا عذر، ولا يضر السبق بركنين أحدهما قولي والآخر فعلي كقراءة الفاتحة والركوع ولكن يحرم الركن الفعلي.
      وذهب الحنابلة إلى أن المتابعة: ألا يسبق المأموم إمامه بفعل من أفعال الصلاة، أو بتكبيرة الإحرام أو بالسلام، وألا يتخلف عنه بفعل من الأفعال.
ويستحب أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة بعد فراغ الإمام مما كان فيه، للحديث السابق: "إنما جعل الإمام ليؤتم به...".
      فإن سبقه بالركوع عمداً بأن ركع ورفع قبل ركوع الإمام، بطلت صلاته. وإن سبقه بركن غير الركوع كالهوي للسجود، أو القيام للركعة التالية، لم تبطل صلاته، ولكن يجب عليه الرجوع ليأتي بما فعله بعد إمامه. أما إن فعل شيئاً من ذلك سهواً أو جهلاً، فصلاته صحيحة، لكن يجب عليه إعادة ما فعله بعد إمامه.
      ويحرم سبق الإمام عمداً بشيء من أفعال الصلاة، للحديثين السابقين : "إنما جعل الإمام .." "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه ... " ولا يكره للمأموم سبق الإمام ولا موافقته بغير الإحرام والسلام، كالقراءة والتسبيح والتشهد.
      وإن سبقه بركنين عمداً بطلت صلاته، وإن سبقه سهواً لم تبطل لكنه يعيد ما أتى به، فإن لم يعده، ألغيت الركعة.
      ومقارنة المقتدي لإمامه في أفعال الصلاة مكروهة كالشافعية.
      وإن سبقه أو ساواه في تكبيرة الإحرام، بطلت صلاته، عمداً أو سهواً.
      وإن سبقه في السلام عمداً بطلت صلاته، وإن كان سهواً، أتى به بعد سلام إمامه، وإلا بطلت صلاته.
      5- اشترط الحنفية أيضاً عدم محاذاة المرأة ولو كانت محرماً في الصف، وإلا بطلت صلاة ثلاثة: المحاذي يميناً وشمالاً ومن خلفها.
      وتحقق الشروط: أن يقال: محاذاة مشتهاة، منوية الإمامة، في ركن، صلاة مطلقة، مشتركة تحريمة وأداء، مع اتحاد مكان وجهة، دون حائل ولا فرجة.
      والمرأة الواحدة: تفسد صلاة ثلاثة: واحد عن يمينها، وآخر عن شمالها، وآخر خلفها إلى آخر الصفوف، ليس غير، لأن من فسدت صلاته يصير حائلاً بينها وبين الذي يليه.
      والمرأتان تفسدان صلاة أربعة: اثنان خلفهما إلى آخر الصفوف، واثنان عن يمين وشمال. والثلاث في الصحيح يفسدن صلاة واحد عن يمينهن، وآخر عن شمالهن، وثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف.
      وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه: إن وقفت المرأة في صف الرجال، لم تبطل صلاة من يليها ولا صلاة من خلفها، فلا يمنع وجود صف تام من النساء اقتداء من خلفهن من الرجال، ولا تبطل صلاة من أمامها، ولا صلاتها، كما لو وقفت في غير صلاة، والأمر بتأخير المرأة"أخروهن من حيث أخرهن الله" لا يقتضي الفساد مع عدمه؛ لأن ترتيب الصفوف سنة نبوية فقط، والمخالفة من الرجال أو النساء لا تبطل الصلاة، بدليل أن ابن عباس وقف على يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تبطل صلاته، وأحرم أبو بكرة خلف الصف وركع ثم مشى إلى الصف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم؛" زادك الله حرصاً ولا تَعُد".
      عند الجمهور ويكره أن يصلي وأمامه امرأة أخرى تصلي لحديث:" أخروهن من حيث أخرهن الله" أما في غير الصلاة فلا يكره، لخبر عائشة، وروى أبو حفص عن أم سلمة، قالت:" كان فراشي حيال مصلى النبي صلى الله عليه وسلم".
      كيفية وقوف المأمومين:
      أ- إذا كان مع الإمام رجل واحد أو صبي مميز، استحب أن يقف عن يمين الإمام، مع تأخره قليلاً بعقبه. وتكره عند الجمهور مساواته له، أو الوقوف عن يساره أو خلفه لمخالفته السنة، وتصح الصلاة ولا تبطل. وقال الحنابلة كما بينا: تبطل الصلاة إن صلى على هذا النحو المخالف ركعة كاملة.
      ب- إن كان رجل وامرأة، قام الرجل عن يمين الإمام، والمرأة خلف الرجل.
      جـ- إن كان رجلان أو رجل وصبي، صفا خلف الإمام، وكذا إن كان امرأة أو نسوة، تقوم أو يقمن خلفه بحيث لا يزيد ما بينه وبين المقتدين عن ثلاثة أذرع.
      أما الرجل والصبي والمرأة والنسوة، فلما في الصحيحين عن أنس:" أنه عليه الصلاة والسلام صلى في بيت أم سليم، فقمت أنا ويتيم خلفه، وأم سليم خلفنا"، فلو حدثت مخالفة لما ذكر كره.
      وقال الحنابلة في الصبي والرجل: يقف الرجل عن يمين الإمام والصبي يقف عن يمينه أو يساره، لا خلفه.
وقال الحنفية في هذا: لا تكره المساواة مع الإمام.
      د- إذا اجتمع رجال وصبيان وخناثى وإناث: صف الرجال ثم الصبيان، ثم الخناثى ولو منفردة، ثم النساء. ولو قام الإمام وخلفه صف كره إجماعاً.
      هـ- ويقف الإمام وسط القوم في الصف، لقوله صلى الله عليه وسلم:" وسطوا الإمام وسدوا الخلل"، والسنة أن يقوم في المحراب ليعدل الطرفان لأن المحاريب نصبت وسط المساجد، وقد عينت لمقام الإمام فإن وقف عن يمينهم أو يسارهم، فقد أساء بمخالفة السنة، والإساءة عند الحنفية دون كراهة التحريم، وأفحش من كراهة التنزية. قال أبو حنيفة وقوله هو الأصح: أكره أن يقوم الإمام بين الساريتين، أو في زاوية أو في ناحية المسجد، أو إلى سارية؛ لأنه خلاف عمل الأمة.
      وتقدم الإمام عند الحنفية أمام الصف: واجب.
      أمر الإمام بتسوية الصفوف وسد الثغرات:
      يستحب للإمام أن يأمر بتسوية الصفوف، وسد الخلل (الثغرات)، وتسوية المناكب، لحديث أنس:" اعتدلوا في صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري، قال أنس: فلقد رأيت أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه" ويقول الإمام: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" لحديث أبي هريرة قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية، يمسح صدورنا ومناكبنا، ويقول:"لا تختلفوا فتختلف قلوبكم".

صلاة الجماعة





      صلاة الجماعة:

  • مشروعية صلاة الجماعة.
  • فضل صلاة الجماعة
  • حكمة صلاة الجماعة
  • حكم صلاة الجماعة
  • أقل الجماعة أو من تنعقد به
  • أفضل الجماعة
  • أفضلية المساجد التي تقام بها الجماعة
  • حضور النساء إلى المساجد
  • إدراك ثواب الجماعة
  • إدراك الفريضة مع الإمام
  • المشي للجماعة
  • المبادرة للاقتداء مع الإمام
  • تكرار الجماعة في المسجد
  • وقت استحباب القيام للجماعة أو للصلاة أعذار ترك الجماعة والجمعة



      1- مشروعية صلاة الجماعة:
      الجماعة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ..} [النساء: 102] الآية، أمر الله بالجماعة في حالة الخوف أثناء الجهاد، ففي الأمن أولى، ولو لم تكن مطلوبة لرخص فيها حالة الخوف، ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها.
      وأما السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، بسبع وعشرين درجة" متفق عليه.
      وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة على مشروعيتها بعد الهجرة.
      2- فضل صلاة الجماعة: ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: "من سره أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وأنهن من سُنَن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم، كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطُّهور، ثم يَعْمَد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه سيئة، ولقد رأتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف" رواه مسلم وأبو داود.
      وهي أيضاً نور المسلم يوم القيامة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "بشر المشاءين في الظُلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" رواه أبو داود والترمذي.
      وآكد الجماعات في غير الجمعة: جماعة الصبح ثم العشاء ثم العصر، للحديثين الآتيين: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير، لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتَمة والصبح لأتوها، ولو حَبْواً" متفق عليه.
      وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله" رواه مسلم. أما العصر فلأنها الصلاة الوسطى.
      3- حكمة صلاة الجماعة: تحقيق التآلف والتعارف والتعاون بين المسلمين، وغرس أصول المحبة والود في قلوبهم، وإشعارهم بأنهم إخوة متساوون متضامنون في السراء والضراء، دون فارق بينهم في الدرجة أو الرتبة أو الحرفة أو الثروة والجاه، أو الغنى والفقر.
      وفيها تعويد على النظام والانضباط وحب الطاعة في البر والمعروف، وتنعكس آثار ذلك كله على الحياة العامة والخاصة، فتثمر الصلاة جماعة أطيب الثمرات، وتحقق أبعد الأهداف، وتربي الناس على أفضل أصول التربية، وتربط أبناء المجتمع بأقوى الروابط، لأن ربهم واحد، وإمامهم واحد، وغايتهم واحدة، وسبيلهم واحدة.
      4- حكم صلاة الجماعة:
      ذهب الحنفية والمالكية إلى أن: الجماعة في الفرائض غير الجمعة سنة مؤكدة، للرجال العاقلين القادرين عليها من غير حرج، فلا تجب على النساء والصبيان والمجانين والعبيد والمقعد والمريض والشيخ الهرم ومقطوع اليد والرجل من خلاف. وكونها سنة، لأن ظاهر الحديث السابق "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" يدل على أن الصلاة في الجماعات من جنس المندوب إليه، وكأنها كمال زائد على الصلاة الواجبة.
      وذهب الشافعية إلى أن: الجماعة فرض كفاية، لرجال أحرار مقيمين، لا عراة، في أداء مكتوبة، بحيث يظهر الشعار أي شعار الجماعة بإقامتها، في كل بلد صغير أو كبير. فإن امتنعوا كلُّهم من إقامتها قوتلوا (أي قاتلهم الإمام أو نائبه دون آحاد الناس)، ولا يتأكد الندب للنساء تأكده للرجال في الأصح.
      وذهب الحنابلة إلى أن: الجماعة واجبة وجوب عين. لقوله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيدهن لقد هممت أن آمر بحطب ليحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً، فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم" متفق عليه.
      5- أقل الجماعة أو من تنعقد به الجماعة:
      ذهب الحنفية والشافعية إلى أنَّ أقل الجماعة اثنان: إمام ومأموم ولو مع صبي ذهب المالكية والحنابلة إلى أن الجماعة لا تنعقد مع صبي مميز لكن عند الحنابلة في فرض لا نفل فتصح به، لأن الصبي لا يصلح إماماً في الفرض. ويصح أن يؤم صغيراً في نفل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمَّ ابن عباس، وهو صبي في التهجد. 
      6 - أفضل الجماعة:
      الجماعة في المسجد لغير المرأة أو الخنثى أفضل منها في غير المسجد، كالبيت لأن المسجد مشتمل على الشرف والطهارة وإظهار الشعائر.
      7- أفضلية المساجد التي تقام فيها الجماعة:
      فقال الحنابلة: إن كان البلد ثغراً، وهو المكان المخوف، فالأفضل لأهله الاجتماع في مسجد واحد، لأنه أعلى للكلمة، وأوقع للهيبة. والأفضل لغيرهم: الصلاة في المسجد، وتحصيل الجماعة لمن يصلي فيه، وذلك معدوم في غيره، أو تقام فيه الجماعة بدون حضوره، لكن فيه جبر قلوب الإمام أو الجماعة. ثم المسجد العتيق (مسجد مكة)، لأن الطاعة فيه أسبق.
      الأفضل من المساجد: ما كان أكثر جماعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل مع الرجل أولى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أولى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله" رواه أحمد وأبو داود.
      ثم المسجد الأبعد أفضل من الصلاة في الأقرب، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن أعظم الناس في الصلاة أجراً أبعدهم فأبعدهم ممشى" رواه مسلم ولكثرة حسناته بكثرة خطاه.
      8- حضور النساء إلى المساجد:
            ذهب أبو حنيفة إلى أن: يكره للنساء الشوابّ حضور الجماعة مطلقاً، لما فيه من خوف الفتنة، ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء.
      وذهب المالكية إلى أنه: يجوز خلافاً للأولى خروج امرأة متجالَّة لا أرب للرجال فيها للمسجد ولجماعة العيد والجنازة والاستسقاء والكسوف، كما يجوز خروج شابة غير مُفتنة لمسجد وجنازة قريب من أهلها، أما التي يخشى منها الفتنة فلا يجوز لها الخروج مطلقاً.
      وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: يكره للحسناء أو ذات الهيئة شابة أو غيرها حضور جماعة الرجال، لأنها مظنة الفتنة، وتصلي في بيتها. ويباح الحضور لغير الحسناء إذا خرجت (غير متعطرة) بإذن زوجها، وبيتها خير لها. لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تَفِلات" رواه أحمد وأبو داود أي غير متطيبات. وعن أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير مساجد النساء قعر بيوتهن".
      9- إدراك ثواب الجماعة:
وذهب الحنابلة والحنفية إلى أنه: من كبر قبل سلام الإمام التسليمة الأولى، أدرك الجماعة، ولو لم يجلس معه، لأنه أدرك جزءاً من صلاة الإمام، فأشبه ما لو أدرك ركعة. لكنه دون فضل من يدركها من أولها.
      وذهب الشافعية إلى أن: إدراك فضيلة الجماعة ما لم يسلم الإمام، وإن لم يقعد معه، بأن انتهى سلامه عقب تحرّمه، وإن بدأ بالسلام قبله، لإدراكه ركناً معه، لكنه دون فضل من يدركها من أولها. واستثنوا صلاة الجمعة فإن جماعتها لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة مع الإمام.
      وذهب المالكية إلى أنه: إنما يحصل فضل الجماعة الوارد به الخبر المتضمن كون ثوابها بخمس أو بسبع وعشرين درجة، بإدراك ركعة كاملة يدركها مع الإمام، بأن يمكن يديه من ركبتيه أو مما قاربهما قبل رفع الإمام وإن لم يطمئن إلا بعد رفعه. أما مدرك ما دون الركعة فلا يحصل له فضل الجماعة، وإن كان مأموراً بالدخول مع الإمام، وأنه مأجور بلا نزاع.
      10- إدراك الفريضة مع الإمام:
      ذهب أئمة المذاهب إلى الاتفاق: على أن من أدرك الإمام راكعاً في ركوعه، فإنه يدرك الركعة مع الإمام، وتسقط عنه القراءة، فإن ركع بعد رفع الإمام رأسه من الركوع، لم تحسب الركعة. لكن المالكية قالوا: إنما تدرك الركعة مع الإمام بانحناء المأموم في أول ركعة له مع الإمام قبل اعتدال الإمام من ركوعه، ولو حال رفعه، ولو لم يطمئن المأموم في ركوعه إلا بعد اعتدال الإمام مطمئناً، ثم يكبر لركوع أو سجود بعد تكبيرة الإحرام، ولا يؤخر الدخول مع الإمام في أي حالة من الحالات حتى يقوم للركعة التي تليها، وإن شك هل ركع قبل اعتدال الإمام أو بعده لم تحسب له الركعة.
      وقال الحنابلة: من أدرك الإمام راكعاً، أجزأته تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع، لأنه فعل زيد بن ثابت وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة، ولأنه اجتمع عبادتان من جنس واحد، فأجزأ الركن عن الواجب، كطواف الزيارة والوداع.
      واشترط الشافعية كالمالكية تكبيرة الركوع عدا تكبيرة الإحرام ليدرك جزءاً من القيام.
      11 - المشي للجماعة:
      يستحب لمن قصد الجماعة أن يمشي إليها، وعليه السكينة والوقار، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتموا" متفق عليه.
      وذهب المالكية إلى أنه: أنه يجوز الإسراع لإدراك الصلاة مع الجماعة، بلا خَبَب (أي هرولة: وهي ما دون الجري) وتكره الهرولة، لأنها تذهب الخشوع، والجري أولى.
      12-المبادرة للاقتداء مع الإمام:
ذهب أئمة المذاهب إلى أن المصلي يبادر للاقتداء بالإمام، سواء أكان قائماً أم راكعاً أم ساجداً أم نحوه.
      تاسعاً - تكرار الجماعة في المسجد:
      ذهب الحنفية إلى أنه: يكره تكرار الجماعة بأذان وإقامة في المسجد، إلا إذا كان مسجد طريف، أو مسجداً لا إمام له ولا مؤذن، ويصلي الناس فيه فوجاً فوجاً.
            أما مسجد الشارع، فالناس فيه سواء، لا اختصاص له بفريق دون فريق. وعلى هذا لا يكره تكرار الجماعة في مساجد الطرق: وهي ما ليس لها إمام وجماعة معينون.
      وذهب المالكية إلى أنه: يكره تكرار الجماعة في مسجد له إمام راتب، وكذلك يكره إقامة الجماعة قبل الإمام الراتب، ويحرم إقامة جماعة الإمام الراتب. والقاعدة عندهم: أنه متى أقيمت الصلاة مع الإمام الراتب، فلا يجوز إقامة صلاة أخرى فرضاً أو نفلاً، لا جماعة ولا فرادى. ومن صلى جماعة مع الإمام الراتب، وجب عليه الخروج من المسجد، لئلا يؤدي إلى الطعن في الإمام. وإذا دخل جماعة مسجداً، فوجدوا الإمام الراتب قد صلى، ندب لهم الخروج ليصلوا جماعة خارج المسجد، إلا المساجد الثلاثة (المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى)، فيصلون فيها فرادى، إن دخلوها، لأن الصلاة المنفردة فيها أفضل من جماعة غيرها.
      وذهب الشافعية إلى أنه: يكره إقامة الجماعة في مسجد بغير إذن الإمام الراتب، ولا يكره تكرار الجماعة في المسجد المطروق في ممر الناس، أو في السوق، أو فيما ليس له إمام راتب، أو له وضاق المسجد عن الجميع، أو خيف خروج الوقت، لأنه لا يحمل التكرار على المكيدة.
      وذهب الحنابلة إلى أنه: يحرم إقامة جماعة في مسجد له إمام الراتب إلا بإذنه، ولأنه يؤدي إلى التنفير عنه، وكذلك يحرم إقامة جماعة أخرى أثناء صلاة الإمام الراتب، ولا تصح الصلاة في كلتا الحالتين. وعلى هذا فلا يحرم ولا تكره الجماعة بإذن الإمام الراتب، لأنه مع الإذن يكون المأذون نائباً عن الراتب، ولا تحرم ولا تكره أيضاً إذا تأخر الإمام الراتب لعذر، أو ظن عدم حضوره، أو ظن حضوره ولم يكن يكره أن يصلي غيره في حال غيبته.
      ولا يكره تكرار الجماعة بإمامة غير الراتب بعد انتهاء الإمام الراتب إلا في مسجدي مكة والمدينة فقط، فإنه تكره إعادة الجماعة فيهما، رغبة في توفير الجماعة، أي لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الراتب في المسجدين إذا أمكنهم الصلاة في جماعة أخرى، وذلك إلا لعذر كنوم ونحوه عن الجماعة، فلا يكره لمن فاتته إعادتها بالمسجدين.
      14 - إعادة المنفرد الصلاة جماعة:
      ذهب الحنفية إلى أنه: يجوز للمنفرد إعادة الصلاة مع إمام جماعة، وتكون صلاته الثانية نفلاً. وإذا كانت نفلاً، أعطيت حكم النافلة، فتكره إعادة صلاة العصر، لأن النفل ممنوع بعد العصر، وتكره صلاة النفل خلف النفل إذا كانت الجماعة أكثر من ثلاثة، وإلا فلا تكره إن أعادوها بدون أذان، وتكره مطلقاً إن أعادوها بأذان. وتجوز إذا كان إمامه يصلي فرضاً، لا نفلاً، لأن صلاة النافلة خلف الفرض غير مكروهة.
      وذهب المالكية إلى أنه: من صلى في جماعة لم يعد في أخرى إلا إذا دخل أحد المساجد الثلاثة فيندب له الإعادة. ومن صلى منفرداً جازت له الإعادة في جماعة: اثنين فأكثر، لا مع واحد، إلا إذا كان إماماً راتباً بمسجد فيعيد معه: لأن الراتب كالجماعة، ويعيد كل الصلوات غير المغرب، والعشاء بعد الوتر، فتحرم إعادتهما لتحصيل فضل الجماعة، أما المغرب فلا تعاد، لأنها تصير مع الأول شفعاً، لأن المعادة في حكم النفل، والعشاء تعاد قبل الوتر، ولا تعاد بعده، لأنه إن أعاد الوتر يلزم مخالفة قوله صلى الله عليه وسلم: "لا وتران في ليلة"، وإن لم يعده، لزم مخالفة: "اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً".
      ولكل منفرد إعادة الصلاة إلا من صلى منفرداً في أحد المساجد الثلاثة، فلا يندب له إعادتها جماعة خارجها، ويندب إعادتها جماعة فيها.
      ويعيد إذا كان مأموماً، ولا يصح أن يكون إماماً كما قال الحنفية. وينوي المعيد الفرض، مفوضاً لله تعالى في قبول أي الصلاتين.
      وذهب الشافعية إلى أنه: يسن للمصلي وحده، وكذا للجماعة: إعادة الفرض بنية الفرض منفرداً أو مع جماعة يدركها في الوقت ولو ركعة فيه، ولو كان الوقت وقت كراهة، وتكون الإعادة مرة واحدة على الراجح، ولا يندب أن يعيد الصلاة المنذورة ولا صلاة الجنازة، إذا لا يتنفل بها، ويشترط أن تكون الصلاة الثانية صحيحة وإن لم تغن عن القضاء، وألا ينفرد وقت الإحرام بالصلاة الثانية عن الصف مع إمكان دخوله فيه، وأن تكون الصلاة الثانية من قيام لقادر، وأن تكون الجماعة مطلوبة في حق من يعيدها، فإن كان عارياً فلا يعيدها في غير ظلام، ويصح أن يكون المعيد إماماً.
      وإذا صلى وأعاد مع الجماعة، فالفرض هو الأول، ولأنه أسقط الفرض بالصلاة الأولى، فوجب أن تكون الثانية نفلاً. وينوي إعادة الصلاة المفروضة، حتى لا تكون نفلاً مبتدءاً.
      وذهب الحنابلة إلى أنه: يستحب لمن صلى فرضه منفرداً أو في جماعة أن يعيد الصلاة إذا أقيمت الجماعة وهو في المسجد، ولو كان وقت الإعادة وقت نهي، سواء أكانت الإعادة مع الإمام الراتب أو غيره إلا المغرب، فلا تسن إعادتها، لأن المعادة تطوع، وهو لا يكون بوتر. وتكون صلاته الأولى فرضه، لحديث يزيد ابن الأسود السابق. وينوي بالثانية كونها معادة، لأن الأولى أسقطت الفرض. وإن نوى المعادة نفلاً صح، لمطابقته الواقع، وإن نواها ظهراً مثلاً، صحت، وكانت نفلاً.
      أما من كان خارج المسجد فوجد جماعة تقام: فإن كان الوقت وقت نهي، لم يستحب له الدخول، حتى تفرغ الصلاة، وتحرم عليه الإعادة ولم تصح، سواء قصد بدخوله المسجد تحصيل الجماعة أم لا. وأما إذا لم يكن الوقت وقت نهي، وقصد المسجد للإعادة، فلا تسن له الإعادة، وإن لم يقصد ذلك، كانت الإعادة مسنونة.
      15 - وقت استحباب القيام للجماعة أو للصلاة:
      ذهب الحنفية إلى أن المصلي يقوم عند "حي على الفلاح" وبعد قيام الإمام.
      وذهب الحنابلة إلى أنه يقوم عند "قد قامت الصلاة".

      وذهب الشافعية إلى أنه يقوم بعد انتهاء المقيم من الإقامة.

صلاة الوتر





 صلاة الوتر:
      التعريف:
      الوتر (بفتح الواو وكسرها) لغة: العدد الفردي، كالواحد والثلاثة والخمسة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله وتر يحب الوتر" رواه مسلم. ومن كلام العرب: كان القوم شفعاً فوترتهم وأوترتهم، أي جعلت شفعهم وتراً. وفي الحديث: "من استجمر فليوتر" رواه البخاري، معناه: فليستنج بثلاثة أحجار أو خمسة أو سبعة، ولا يستنج بالشفع.
      والوتر في الاصطلاح: صلاة الوتر، وهي صلاة تفعل ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، تختم بها صلاة الليل، سميت بذلك لأنها تصلى وتراً، ركعة واحدة، أو ثلاثاً، أو أكثر، ولا يجوز جعلها شفعاً، ويقال: صليت الوتر، وأوترت، بمعنى واحد. وصلاة الوتر اختلف فيها، ففي قول: هي جزء من صلاة قيام الليل والتهجد، قال النووي: هذا هو الصحيح المنصوص عليه في الأم، وفي المختصر. وفي وجه أي لبعض الشافعية: أنه لا يسمى تهجداً، بل الوتر غير التهجد.
      حكم الوتر:
      ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوتر سنة مؤكدة، وليس واجباً، ودليل سنيته قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن" رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وإن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وواظب عليه.
      واستدلوا لعدم وجوبه بما ثبت: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أعرابي: عما فرض الله عليه في اليوم والليلة؟ فقال: خمس صلوات، فقال : هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوّع" رواه البخاري ومسلم.
      وقال علي - رضي الله عنه - "الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة المكتوبة، ولكن سنة، سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم" قالوا: ولأن الوتر يجوز فعله على الراحلة لغير الضرورة، وثبت ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح على الراحلة قِبَل أي وجه توجّه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة" رواه البخاري، فلو كانت واجبة لما صلاها على الراحلة، كالفرائض.
      وذهب أبو حنيفة إلى أن الوتر واجب، وليس بفرض، وإنما لم يجعله فرضاً لأنه لا يكفر جاحده، ولا يؤذن له كأذان الفرائض، واستدل بوجوبه بقول النبي صلى الله عليه وسلم : "الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا" كرر ثلاثاً رواه أبو داود، وبقوله صلى الله عليه وسلم : "إن الله تعالى أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي صلاة الوتر، فصلوها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر" رواه الترمذي والحاكم، وهو أمر، والأمر يقتضي الوجوب، والأحاديث الآمرة به كثيرة، ولأنه صلاة مؤقتة تقضى.
      وجوب الوتر على النبي صلى الله عليه وسلم:
      صرح الشافعية والحنابلة: بأن من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الوتر عليه، قالوا: وكونه كان يصلي الوتر على الراحلة يحتمل أنه لعذر، أو أنه كان واجباً عليه في الحضر دون السفر. واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث هن عليّ فرائض، وهن لكن تطوع: الوتر، والنحر، وصلاة الضحى".
      درجة السنية في صلاة الوتر عند غير الحنفية، ومنزلتها بين سائر النوافل:
      صلاة الوتر عند الجمهور سنة مؤكدة للأحاديث التي تحض عليها، وحديث خارجة بن حذافة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أمدّكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي صلاة الوتر، فصلوها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر". رواه الترمذي والحاكم.
      ومن هنا ذهب الحنابلة إلى أن من تركها فقد أساء، وكره له ذلك. قال أحمد: من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء، ولا ينبغي أن تقبل له شهادة .. ا هـ.
      والوتر من السنن الرواتب عند الحنابلة، وهو عند المالكية والشافعية: آكد الرواتب وأفضلها.
      وآكد النوافل عند الحنابلة: صلاة الكسوف، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتركها عند وجود سببها، ثم الاستسقاء، لأنه تشرع لها الجماعة مطلقاً، فأشبهت الفرائض، ثم التروايح، لأنه لم يداوم عليها خشية أن تفرض، لكنها أشبهت الفرائض من حيث مشروعية الجماعة لها، ثم الوتر، لأنه ورد فيه من الأخبار ما لم يأت مثله في ركعتي الفجر، ثم سنة الفجر، ثم سنة المغرب، ثم باقي الرواتب سواء.
      وقت الوتر:
      وقت الوتر عند الحنابلة وعند الشافعية يبدأ من بعد صلاة العشاء وذلك لحديث خارجة المتقدم، وفيه: "فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر" قالوا: ويصلي استحباباً بعد سنة العشاء، ليوالى بين العشاء وسنتها. قالوا : ولو جمع المصلي بين المغرب والعشاء جمع تقديم، أي في وقت المغرب فيبدأ وقت الوتر من بعد تمام صلاة العشاء.
      ومن صلى الوتر قبل أن يصلي العشاء لم يصح وتره لعدم دخول وقته، فإن فعله نسياناً أعاده.
      وآخر وقته عند الشافعية، والحنابلة طلوع الفجر الثاني لحديث خارجة المتقدم.
      وذهب المالكية: إلى أن أول وقت صلاة الوتر من بعد صلاة العشاء الصحيحة ومغيب الشفق، فمن قدم العشاء في جمع التقديم فإنه لا يصلي الوتر إلا بعد مغيب الشفق. وأما آخر وقت الوتر عندهم فهو طلوع الفجر، إلا في الضرورة، وذلك لمن غلبته عيناه عن ورده فله أن يصليه، فيوتر ما بين طلوع الفجر وبين أن يصلي الصبح، ما لم يخش أن تفوت صلاة الصبح بطلوع الشمس. فلو شرع في صلاة الصبح، وكان منفرداً، قبل أن يصلي الوتر، ندب له قطعها ليصلي الوتر. ولا يندب ذلك للمؤتم، وفي الإمام روايتان.
      وذهب الحنفية: إلى أن وقت الوتر هو وقت العشاء، أي من غروب الشفق إلى طلوع الفجر، ولذا اكتفي بأذان العشاء وإقامته، فلا يؤذن للوتر، ولا يقام لها، مع قولهم بوجوبها.
      قالوا: ولا يجوز تقديم صلاة الوتر على صلاة العشاء، لا لعدم دخول وقتها، بل لوجوب الترتيب بينها وبين العشاء. فلو صلى الوتر قبل العشاء ناسياً، أو صلاهما، فظهر فساد صلاة العشاء دون الوتر يصح الوتر ويعيد العشاء وحدها عند أبي حنيفة، لأن الترتيب يسقط بمثل هذا العذر. وقال الحنفية - أيضاً -: من لم يجد وقت العشاء والوتر، بأن كان في بلد يطلع فيه الفجر مع غروب الشفق، أو قبله، فلا يجب عليه العشاء ولا الوتر.
      واتفق الفقهاء: على أنه يسن جعل الوتر آخر النوافل التي تصلى بالليل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً". رواه البخاري ومسلم.
      فإن أراد من صلى العشاء أن يتنفل يجعل وتره بعد النفل، وإن كان يريد أن يتهجد - أي يقوم من آخر الليل - فإنه إذا وثق باستيقاظه أواخر الليل يستحب له أن يؤخر وتره ليفعله آخر الليل، وإلا فيستحب تقديمه قبل النوم، لحديث: "من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل" رواه مسلم وحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "من كلّ اللّيل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أول اللّيل وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السّحر" رواه البخاري ومسلم.
      عدد ركعات صلاة الوتر:
      أقل صلاة الوتر عند الشافعية والحنابلة ركعة واحدة. قالوا: ويجوز ذلك بلا كراهة لحديث: "صلاة اللّيل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة" رواه البخاري ومسلم، والاقتصار عليها خلاف الأولى، لكن في قول عند الشافعية: شرط الإيتار بركعة سبق نفل بعد العشاء من سنتها، أو غيرها ليوتر النفل.
      وقال الحنفية: لا يجوز الإيتار بركعة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن البتيراء" قالوا: "روي أن عمر - رضي الله عنه - رأى رجلاً يوتر بواحدة، فقال: ما هذه البتيراء؟ لتشفعنّها أو لأؤدبنك".
      وقال الشافعية والحنابلة: أكثر الوتر إحدى عشرة ركعة، وفي قول عند الشافعية أكثره ثلاث عشرة ركعة، ويجوز بما بين ذلك من الأوتار، لقول النبي صلى الله عليه وسم: "من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" رواه أبو داود وقوله: "أوتروا بخمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة" وقالت أم سلمة - رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث عشرة ركعة" رواه الحاكم. لكن قال المحلي: يحمل هذا على أنها حسبت فيه سنة العشاء.
      وأدنى الكمال عند الشافعية والحنابلة ثلاث ركعات، فلو اقتصر على ركعة كان خلاف الأولى. ونص الحنابلة: على أنه لا يكره الإيتار بركعة واحدة، ولو بلا عذر. وأكمل من الثلاث خمس، ثم سبع، ثم تسع ثم إحدى عشرة، وهي أكمله.
      أما الحنفية: فلم يذكروا في عدده إلا ثلاث ركعات، بتشهدين وسلام، كما يصلى المغرب. واحتجوا بقول عائشة - رضي الله عنها - "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث لا يسلّم إلا في آخرهن" رواه الحاكم.
      أما عند المالكية: فإن الوتر ركعة واحدة، لكن لا تكون إلا بعد شفع يسبقها. واختلف: هل تقديم الشفع شرط صحة أو كمال؟ قالوا: وقد تسمى الركعات الثلاث وتراً إلا أن ذلك مجاز، والوتر في الحقيقة هو الركعة الواحدة. ويكره أن يصلي واحدة فقط، بل بعد نافلة، وأقل تلك النافلة ركعتان، ولا حدّ لأكثرها. قالوا: والأصل في ذلك حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى".
      وقالوا: لا يشترط في الشفع الذي قبل ركعة الوتر نية تخصه، بل يكتفي بأي ركعتين كانتا.
      المصلي إما أن يوتر بركعة، أو بثلاث، أو بأكثر:
      أ- فإن أوتر المصلي بركعة - عند القائلين بجوازه - فالأمر واضح.
      ب- وإن أوتر بثلاث، فله ثلاث صور:
      الصورة الأولى: أن يفصل الشفع بالسلام، ثم يصلي الركعة الثالثة بتكبيرة إحرام مستقلة. وهذه الصورة عند غير الحنفية، وهي المعيّنة عند المالكية، فيكره ما عداها، إلا عند الاقتداء بمن يصِلُ.
      وأجازها الشافعية والحنابلة، وقالوا: إن الفصل أفضل من الوصل، لزيادته عليه السلام وغيره. وفي قول عند الشافعية: إن كان إماماً فالوصل أفضل، لأنه يقتدي به المخالف، وإن كان منفرداً فالفصل أفضل. قالوا: ودليل هذه الصورة ما ورد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة" رواه أحمد وورد: أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يسلم من الركعتين حتى يأمر ببعض حاجته.
      وصرح الحنابلة بأنه يسن فعل الركعة بعد الشفع بعد تأخير لها عنه. نص على ذلك أحمد. ويستحب أن يتكلم بين الشفع والوتر ليفصل. وذكر الشافعية أنه ينوي في الركعتين إن أراد الفصل: (ركعتين من الوتر) أو (سنة الوتر) أو (مقدمة الوتر) قالوا: ولا يصح بنية (الشفع) أو (سنة العشاء) أو (صلاة الليل).
      الصورة الثانية: أن يصلي الثلاث متصلة سرداً، أي من غير أن يفصل بينهن بسلام ولا جلوس، وهي عند الشافعية والحنابلة أولى من الصورة التالية. واستدلوا لهذه الصورة بأن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يوتر بخمس، ولا يجلس إلا في آخرها".
      وهذه الصورة مكروهة عند المالكية، لكن إن صلى خلف من فعل ذلك فيواصل معه.
      الصورة الثالثة: الوصل بين الركعات الثلاث، بأن يجلس بعد الثانية فيتشهد ولا يسلم، بل يقوم للثالثة ويسلم بعدها، فتكون في الهيئة كصلاة المغرب، إلا أنه يقرأ في الثالثة سورة بعد الفاتحة خلافاً للمغرب.
      وهذه الصورة هي المتعينة عند الحنفية.
      وقال الشافعية: هي جائزة مع الكراهة، لأن تشبيه الوتر بالمغرب مكروه.
      وقال الحنابلة: لا كراهة.
      ج- أن يصلي أكثر من ثلاث:
      وهو جائز - كما تقدم - عند الشافعية والحنابلة.
      قال الشافعية: فالفصل بسلام بعد كل ركعتين أفضل، لحديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر بإحدى عشرة ركعة ويسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة" ويجوز أن يصلي أربعاً بتسليمة، وستاً بتسليمة، ثم يصلي ركعة، وله الوصل بتشهد، أو تشهدين في الثلاث الأخيرة.
      وقال الحنابلة: إن أوتر بخمس أو سبع فالأفضل أن يسردهن سرداً فلا يجلس إلا في آخرهن، لحديث عائشة - رضي الله عنها -: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرها" رواه مسلم. ولحديث أم سلمة - رضيالله عنها - قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بخمس، وسبع، لا يفصل بينهن بتسليم" رواه النسائي.
      وإن أوتر بتسع فالأفضل أن يسرد ثمانياً، ثم يجلس للتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلّم.
      ويجوز في الخمس والسبع والتسع أن يسلم من كل ركعتين.
      وإن أوتر بإحدى عشرة فالأفضل أن يسلم من كل ركعتين، ويجوز أن يسرد عشراً، ثم يتشهد، ثم يقوم فيأتي بالركعة ويسلم، ويجوز أن يسرد الإحدى عشرة فلا يجلس ولا يتشهد إلا في آخرها.

      ثانياً: القيام والقعود في صلاة الوتر، وأداؤها على الراحلة:
      ذهب الحنفية إلى أن صلاة الوتر لا تصح إلا من قيام، إلا لعاجز، فيجوز أن يصليها قاعداً، ولا تصح على الراحلة من غير عذر.
      وذهب جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية والحنابلة - إلى أنه تجوز للقاعد أن يصليها ولو كان قادراً على القيام، وإلى جواز صلاتها على الراحلة ولو لغير عذر. وذلك مروي عن علي وابن عمر وابن عباس والثوري وإسحاق - رضي الله عنهم - قالوا: لأنها سنة، فجاز فيها ذلك كسائر السنن.
      واحتجوا لذلك بما ورد من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يسبح على الراحلة قبل أيّ وجه توجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة" رواه البخاري.
      وعن سعيد بن يسار أنه قال: كنت أسير مع ابن عمر - رضي الله عنهما - بطريق مكة، قال سعيد: فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت، ثم أدركته، فقال لي ابن عمر: "أين كنت؟ فقلت له: خشيت الفجر فنزلت فأوترت. فقال عبد الله: أليس لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟ فقلت: بلى والله. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير" رواه مسلم.

      ثالثاً: الجهر والإسرار:
      قال الحنفية: يجهر في الوتر إن كان إماماً في رمضان لا في غيره.
      وقال المالكية: تأكد ندب الجهر بوتر، سواء صلاه ليلاً أو بعد الفجر.
      وقال الشافعية: يسن لغير المأموم أن يجهر بالقراءة في وتر رمضان، ويسر في غيره.
      وقال الحنابلة: يخير المنفرد في صلاة الوتر في الجهر وعدمه.
      اتفق الفقهاء على أنه يقرأ في كل ركعة من الوتر الفاتحة وسورة. والسورة عند الجمهور سنّة، لا يعود لها إن ركع وتركها.
      ثم ذهب الحنفية إلى أنه لم يوقّت في القراءة في الوتر شيء غير الفاتحة، فما قرأ فيه فهو حسن، وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ به في الأولى بسورة {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، وفي الثانية بالـ {الكافِرُون} وفي الثالثة {بالإخلاص}، فيقرأ به أحياناً، ويقرأ بغيره أحياناً للتحرز عن هجران باقي القرآن.
      وذهب الحنابلة إلى أنه يندب القراءة بعد الفاتحة بالسور الثلاث المذكورة، لما ورد من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ذلك" رواه الترمذي والحاكم.
      وذهب المالكية والشافعية - كذلك- إلى أنه يندب في الشفع (سبح، والكافرون)، أما في الثالثة فيندب أن يقرأ (بسورة الإخلاص، والمعوذتين)، لحديث عائشة - رضي الله عنها - في ذلك. لكن قال المالكية: يندب ذلك إلا لمن له حزب، أي قدر من القرآن يقرؤه ليلاً، فيقرأ من حزبه في الشفع والوتر.
      ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القنوت في الوتر مشروع في الجملة، واختلفوا في أنه واجب أو مستحب، وفي أنه يكون في جميع ليالي السنة أو في بعضها، وفي أنه هل يكون قبل الركوع أو بعده، وفيما يسن أن يدعو به، وفي غير ذلك من مسائله. وذهب المالكية إلى أن القنوت في الوتر مكروه.
      الوتر في السفر:
      لا يختلف حكم صلاة الوتر في السفر عنه في الحضر، فمن قال: إنه سنة، وهم المالكية والشافعية والحنابلة فإنه يسن في السفر كالحضر.
      ومن قال إنه واجب - وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة يجب في السفر كالحضر.

      أداء صلاة الوتر في جماعة:
      ينص الشافعية والحنابلة على أنه لا يسن أن يصلي الوتر في جماعة، لكن تندب الجماعة في الوتر الذي يكون عقب التراويح، تبعاً لها. وصرح الحنفية بأنه يندب فعله حينئذ في المسجد تبعاً للتراويح.
      وقال المالكية: يندب فعلها في البيوت ولو جماعة إن لم تعطل المساجد عن صلاتها بها جماعة. وعللوا أفضلية الانفراد بالسلامة من الرياء، ولا يسلم منه إلا إذا صلى وحده في بيته.
      ونص الحنابلة على أن فعل الوتر في البيت أفضل، كسائر السنن إلا لعارض، فالمعتكف يصليها في المسجد، وإن صلى مع الإمام التراويح يصلي معه الوتر لينال فضيلة الجماعة، لكن إن كان له تهجد فإنه يتابع الإمام في الوتر فإذا سلّم الإمام لم يسلِّم معه بل يقوم فيشفع وتره، وذلك لينال فضيلة الجماعة.
      ونص الحنابلة كذلك على أنه لو أدرك المسبوق بالوتر مع الإمام ركعة فإن كان الإمام سلم من اثنتين أجزأت المسبوق الركعة عن وتره، وإن كان الإمام لم يسلم من الركعتين فعلى المسبوق أن يقضيهما لحديث: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا" رواه عبد الرزاق في المصنف.
      نقض الوتر:
      من صلى الوتر ثم بدا له بعد ذلك أن يصلي نفلاً، فإن ذلك جائز بلا كراهة عند الشافعية ولو صلى مع الإمام التراويح، ثم أوتر معه وهو ينوي القيام بعد ذلك، فلا بأس أن يوتر معه إن طرأت له النية بعده أو فيه. أما إن طرأت له قبل ذلك فيكره له على ما صرح به المالكية.
      وإذا أراد أن يصلي بعد الوتر فله عند الفقهاء طريقتان:
      الطريقة الأولى: أن يصلي شفعاً ما شاء، ثم لا يوتر بعد ذلك.
      وقد أخذ الحنفية والمالكية والحنابلة بهذه الطريقة وهو مروي عن أبي بكر وسعد وعمار وابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم -، استدلوا بقول عائشة - رضي الله عنها - وقد سئلت عن الذي ينقض وتره فقالت: "ذاك الذي يلعب بوتره" رواه سعيد بن منصور. واستدلوا على عدم إيتاره مرة أخرى بحديث طلق بن علي مرفوعاً: "لا وتران في ليلة"رواه الترمذي وقال: حديث حسن، ولما صح: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين" رواه ابن ماجه.
      والطريقة الثانية: وعند الشافعية: أن يبدأ نفله بركعة يشفع بها وتره، ثم يصلي شفعاً ما شاء ثم يوتر، وهو مروي عن عثمان وعلي وأسامة، وسعد وابن عمر وابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهم - ولعلهم ذهبوا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" رواه البخاري ومسلم.
      ذهب الحنفية إلى أن من طلع عليه الفجر ولم يصل الوتر يجب عليه قضاؤه، سواء أتركه عمداً أم نسياناً وإن طالت المدة، ومتى قضاه يقضيه بالقنوت. فلو صلى الصبح وهو ذاكر أنه لم يصل الوتر فصلاة الصبح فاسدة عند أبي حنفية لوجوب الترتيب بين الوتر والفريضة. ولا يقضي الوتر عند المالكية إذا تذكره بعد أن صلى الصبح. فإن تذكره فيها ندب له إن كان منفرداً أن يقطعها ليصلي الوتر ما لم يخف خروج الوقت، وإن تذكره في أثناء ركعتي الفجر فقيل: يقطعها كالصبح، وقيل: يتمها ثم يوتر.
      وذهب الحنابلة إلى أنه يقضى الوتر إذا فات وقته، أي على سبيل الندب لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكره" رواه أبو داود والحاكم، قالوا: ويقضيه مع شفعه.
      وعند الشافعية: أنه يستحب قضاء الوتر وهو المنصوص في الجديد ويستحب القضاء أبداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من نام على صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها".
      يستحب أن يقول بعد الوتر: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات، ويمد صوته بها في الثالثة، لحديث عبد الرحمن بن أبزى قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بـ {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، وإذا أراد أن ينصرف من الوتر قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، ثم يرفع صوته بها في الثالثة" رواه النسائي.



مشاركة الموضوع

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More